وفاء عفاص

"من الصعب جداً أن يغطي راتب العمل الحكومي مصاريف الحياة، مما يضطر البعض للانخراط بمنظومة الفساد والرشاوى".

نشأت وفاء عفاص في مدينة أرمناز بريف إدلب، ودرست في مدارسها، ثم سافرت مع عائلتها الى السعودية وتقدمت هناك لامتحان الشهادة الثانوية.

بعد نجاحها في الامتحان وحصولها على ترتيب ضمن العشرة الأوائل في مدينة الرياض، عادت وفاء الى سوريا لمتابعة دراستها الجامعية. تقول في ذلك، “كان التحدي الكبير بالنسبة لي هو العودة الى سوريا لبدء مشواري الدراسي دون وجود أحد من عائلتي الى جانبي، مما قلب نمط حياتي الرتيب الذين كنت أعيشه في السعودية، وخصوصاً أن مجال الهندسة المعمارية الذي اخترته يحتاج الخوض في الحياة العملية والعمل الجماعي أكثر من غيره”.

تعلمت وفاء خلال الجامعة أن تعتمد على نفسها وأن تستقل عن عائلتها، فقويت شخصيتها  ما أفادها لاحقاً حين بدأت الحياة العملية، وخاصة في مجال التواصل والتعامل مع الآخرين وإتخاذ القرارات وما الى ذلك.

تخرجت وفاء من الجامعة عام 1993 بعد تأخيرها المتعمد للتخرج لنحو عامين متتالين، لعدم رغبتها بالعمل الحكومي الإلزامي لمدة خمس سنوات والذي كان يفرض على خريجي أقسام الهندسات وبعض التخصصات الأخرى، ولكنها قررت أخيراً أن تتوظف في القطاع الحكومي، على أمل أن تنهي  فترة الخدمة الإلزامية ثم تتفرغ للعمل في مكتب هندسي خاص بها.

تقول وفاء، “تم تعييني في مديرية الأبنية المدرسية بمدينة حلب، وتركّزت مهمتنا الأساسية في ترميم المدارس الحكومية ورياض الأطفال، وبقيت في هذه الوظيفة أكثر من عامين ثم عملتُ بعد زواجي في مدينة إدلب”.

وتتابع القول، “لاحظت خلال عملي أن الاهتمام بالتعليم في ريف إدلب كان أكبر منه في ريف حلب، سواء من ناحية الطلاب أو من جهة الأهالي”.

عاشت وفاء وزوجها في مدينة أرمناز، وكانت تعمل حينها في مركز مدينة إدلب، فكان عليها الذهاب يومياَ لمدة نصف ساعة بالمواصلات العامة من منزلها الى مكان العمل، الى أن انتقلت مع زوجها بعد نحو عامين للسكن في إدلب المدينة.

تقول في ذلك، “انتقلتُ الى مدينة إدلب لصعوبة العمل في منطقة بعيدة نسبياً وخصوصاً مع وجود العائلة والأولاد، كنتُ حينها المهندسة الوحيدة العاملة في مديرية تربية إدلب، ولكن مع مرور السنوات ازداد عدد كادر المهندسين”.

وتتابع القول، “كان عملي ذا طبيعة ميدانية ويتطلب القيام بزيارات للإشراف على ترميم مدارس الريف والمدينة، كان ثمة استنزاف للموارد مع غياب التنظيم والمنهجية في صرف النفقات، في العموم كانت البنية المعمارية للمدارس سيئة في بلدنا، وغالباً ما عانت من شح في مادة الاسمنت والحديد نتيجة انتشار الفساد بالتنسيق ما بين المتعهدين ومؤسسة الإسكان العسكري التي كانت تعنى ببناء المدارس من خلال إرساء المناقصات على المتعهدين، والتي كانت تتم غالباً نتيجة الواسطة والعلاقات الخاصة”.

وتتابع القول، “عانت المدارس أيضاً من أخطاء في التصميم، فعلى سبيل المثال، كان الطلاب في الصفوف التي تقابل جهة الشمال يعانون من البرد في فصل الشتاء، وحتى الطراز المعماري المتبع في بناء المدارس كان يتم وفق نموذج واحد مقدم من قبل مؤسسة الإسكان، وهو أقرب ما يكون الى شكل السجن، يضاف الى ذلك كله ضعف في طرق التعليم الحديث، ما أدى الى التسرب المدرسي لكثير من الطلاب”.

حاولت وفاء خلال مسيرتها المهنية الوقوف في وجه المتعهدين الفاسدين الذين يغشون في مواد البناء، من خلال مراقبة عملهم وتنبيههم أو حتى تهديدهم بإيقاف عملهم، وفي تلك الحالات كان المتعهدون يحاولون رشوتها بالمال مقابل غض النظر عن المخالفات، وعند رفضها، يتهمونها بعدم التعاون ووضع العثرات في عملهم كنوع من الابتزاز لهم لقبض الرشوة. في ظل تلك الأجواء الصعبة حاولت وفاء الاستقالة عدة مرات لكن طلبها كان يقابل بالرفض بسبب حاجة مديرية التربية لخبراتها في ظل قلة عدد المهندسين العاملين وضخامة عدد المدارس التي يشرفون عليها في محافظة إدلب.

تقول وفاء إنها لم تكن تعتمد على معاشها نهائياً في ظل قلة الرواتب للعاملين في القطاع العام، بل كانت تعتمد على وارد أراضي عائلتها، “من الصعب جداً أن يغطي راتب العمل الحكومي مصاريف الحياة، مما يضطر البعض للانخراط بمنظومة الفساد والرشاوى”.

وتتابع القول، “في إحدى جولاتي الميدانية على إحدى القرى النائية، صرفتُ لمدير المدرسة مبلغ مئة ألف ليرة للقيام بطلاء المدرسة، فطلب مني الموافقة على أن يشتري مواد الطلاء ويقوم هو بإنجاز العمل عوضاً عن العمال، ليقبض أجرة العامل ويوفر بعض المال لإعالة عائلته الفقيرة، علماً أن هذا المدير كان يسافر الى لبنان في فصل الصيف ليعمل في مهنة طلاء البيوت ويوفر بعض المال الإضافي”.


سُجلت هذه المقابلة
في تركيا

المواضيع ذات الصلة بهذه القصة:


أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: