هلا المشهداني

"الأرض تعطيك من خيرها وثمارها بقدر ما تعطيها من عمل وجهد".

نشأت هلى المشهداني في بيئة ريفية بسيطة، في قرية تدعى أبو حوري تتبع لمنطقة القصير بريف حمص، بدأت هلى في عمر الثانية عشرة بمساعدة والدتها بالأعمال المنزلية الصعبة مثل تحضير الخبز يدوياً وصناعة فرن التنور والزراعة، وحتى في ترميم المنزل المصنوع من مادة اللبن.

تقول هلى، “كنا نقوم بجبل الطين ثم وضعه في قوالب حديدية لصناعة مادة اللبن، وبعد أسبوعين من تحضير كمية جيدة من اللبن نبدأ باستخدامه في التعمير والترميم، وبعد ذلك نضع مزيداً من الطين والتبن لعمل طبقة عازلة وناعمة على الجدران”.

تزوجت هلى في عمر الخامسة عشرة من ابن عمها الذي كان يملك بيتاً صغيراً من اللبن، تقول إنها لم تكن مرتاحة في زواجها، لأنه كان عليها أيضاً أن تعمل كثيراً في الأرض والمنزل وأن تعتني بالدجاج والأبقار وغيرها من المسؤوليات اليومية الشاقة.

أنجبت هلى ثلاثة أطفال، وبعد خمس سنوات من الزواج توفي زوجها بسبب الجلطة، فكان عليها تحمل مسؤولية العائلة بمفرها ولعب دور المرأة والرجل في آن معاً.

تقول، “بعد وفاة زوجي قضيت فترة العدّة البالغة أربعة أشهر وعشرة أيام في المنزل دون أن يراني أحد، كانت فترة صعبة، ولم يقم أحد بزيارتي أو مساعدتي، أهلي كانوا مشغولين بحياتهم وأعمالهم، أما أهل زوجي فكانوا قساة مع أولادي ولا يهتمون لحالنا، ومع ذلك لم أفكر بالزواج مرة أخرى كي لا يتحكم أحد في أطفالي، حيث كنت أتذكر دائماً زوجة أبي التي كانت تضربنا وتعاملنا بشكل سيء، وكانت دائمة الشجار مع أمي أثناء غياب أبي في العمل، لم أكن أريد لأولادي أن يعيشوا التجربة القاسية التي مررت بها”.

تعزو هلى العلاقة السلبية بينها وبين أهلها وأهل زوجها الى طريقة زواجها الذي تم دون موافقة أي منهم، لذا لم يساعدوها بعد وفاة زوجها، لأنهم كانوا يرون بأن عليها تحمل مسؤولية قرارها بالزواج غصباً عنهم أولاً، ولأنها رفصت الزواج بعد وفاة زوجها ثانياً.

بعد انقضاء فترة العدة، ذهبت هلى الى الأرض لتعاود العمل بها، فوجدتها يابسة لا حياة فيها، إذ لم يعتني أحد بها أثناء فترة غيابها.

تصف هلى معاناتها في تلك الفترة، “كانت ظروفي صعبة جداً، في الشتاء كنت أذهب الى الجيران لآخذ بعض قصاصات الأغصان والحطب لأتدفأ عليها مع أطفالي، وعندما يمرض أحد الأولاد كنت أغلي له بعض أوراق شجر الزيتون أو النعناع وأسقيه منها على أمل أن يتعافى”.

قررت هلى أن تعتمد على نفسها وتستصلح الأرض من جديد، فحرثتها وبدأت بزراعة الحنطة والشعير والخضروات، ومع مرور الوقت استطاعت أن تتخطى تلك الأيام الصعبة خصوصاً بعد أن كبر أولادها وباتوا يساعدونها في العمل، فاستطاعت توفير بعض النقود وشراء جرار زراعي تعلمت العمل عليه بنفسها لحرث الأرض ثم علمت الأولاد لمساعدتها في ذلك.

تقول هلى، “استطعت شراء جرار زراعي و تعلمت العمل عليه، ساعدنا ذلك بتحسين الأوضاع، حيث باتت عملية حرث الأرض تتم بسرعة أكبر، حتى صرت أحرث الأرض لبعض الجيران مقابل عائد مادي”.

ورغم أن هلى واجهت ظروف الحياة القاسية وحيدة دون مساعدة أحد، فإن طبيعة المجتمع المحافظ كانت ترفض فكرة عملها كامرأة في حراثة الأرض بواسطة الجرار الزراعي، تقول في ذلك، “كان الناس ممتعضون من فكرة عملي على الجرار الزراعي ويقولون لي أن هذا عيب ومخالف لعاداتنا وتقاليدنا، لكني تجاهلت كل ذلك في سبيل تأمين لقمة العيش لأولادي”.

استطاعت هلى أن تشتري قطعة أرض وأن تبني منزلاً من اللبن لابنها الأكبر، وتمكنت لاحقاً من شراء قطعة أرض أخرى وجرار زراعي ثان، كانت تعمل بكدّ بمساعدة أولادها لزيادة الانتاج وبيع المحصول، حتى تحسنت الظروف وبات الوضع المادي للعائلة أفضل بكثير من السابق. تقول هلى، “الأرض تعطيك من خيرها وثمارها بقدر ما تعطيها من عمل وجهد، لم أكن أريد لأولادي أن يعانوا في حياتهم كما عانيت، صحيح أنهم تعذبوا قليلاً في صغرهم لكن والحمد لله استطعت أن أؤمّن لهم حياة أفضل عندما كبروا “.


سُجلت هذه المقابلة
في

المواضيع ذات الصلة بهذه القصة:


أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: