هالة الناصر

"كانت ملامح وجهه متغيرة ومتعبة من قلة التعرض للشمس، لم نتكلم كثيراً حينها، بل عبّر الصمت والنظرات عن مشاعرنا".

نشأت هالة الناصر في محافظة الرقة ودرست المرحلتين الابتدائية والإعدادية في مدارسها، ثم انتقلت الى مدينة حماة لمتابعة الدراسة في معهد تأهيل المعلمين.

تقول هالة، “تعتبر الرقة منطقة عشائرية يختلف مجتمعها عن مجتمع حماة المحافظ، كنا نعاني كفتيات قادمات للدراسة من بعض الضغوط المجتمعية في حماة، وخصوصاً أننا كنا غير محجبات”.

وتتابع القول، “أنا من أسرة محافظة وتتبع العادات والتقاليد ولكنها غير متشددة، بدليل أن والدي وافق على ذهابي وبعمر مبكرة للدراسة في مدينة حماة، وكان ذلك في سبعينات القرن الماضي”.

بعد أربع سنوات، تخرجت هالة من المعهد وبدأت بممارسة التعليم في مدينة الطبقة التابعة لمحافظة الرقة، وتعرفت خلال تلك الفترة على زوجها الذي كان عضواً في حزب سياسي معارض، تقول، “مجتمع الطبقة هو عبارة عن خليط سكاني من محافظات سورية عدة، اكتسبتُ في تلك الفترة تجربة اجتماعية غنية وتعرفت على أشخاص من مشارب متنوعة”.

وتتابع القول، “كان زوجي حينها ناشطاً في صفوف حزب سري معارض، ورغم أني كنت أشجع ذلك التوجه، لم أجرؤ شخصياً على الانخراط في ذاك النوع من الأنشطة”.

اعتقل زوج هالة في العام 1987، وكان عمر ابنهم حينها ثلاثة أشهر فقط، صدمت هالة وعاشت فترة عصيبة من حياتها جراء الاعتقال، تقول في ذلك، “كانت فترة صعبة جداً، كرهتُ خلالها الناس والمحيط الاجتماعي، حتى إني فقدت الرغبة في إرضاع ابني نتيجة حالتي النفسية السيئة، ورغم محاولة الأهل وبعض الأصدقاء الوقوف معي ودعمي معنوياً، واجهت رفضاً اجتماعياً حتى من بعض المقربين لي، بسبب الخوف من الجهات الأمنية، حيث اعتبروا أن معرفتنا باتت تشكل خطراً عليهم”.

اعتمدت هالة على نفسها وعملها في تربية طفلها طوال فترة اعتقال زوجها، واستطاعت زيارته بعد ثلاث سنوات ونصف من توقيفه، حيث سرب لها رسالة عن طريق أحد زوار زملائه بمكان وجوده في سجن صيدنايا بريف دمشق.

تقول هالة، “ذهبتُ الى سجن صيدنايا برفقة صديقتي وهي زوجة معتقل سياسي أيضاً، حيث كان ثمة حالة من التعاون والتضامن بين زوجات المعتقلين، رأيت زوجي لمدة خمس دقائق فقط ومن وراء شبك حديدي، كانت ملامح وجهه متغيرة ومتعبة من قلة التعرض للشمس، لم نتكلم كثيراً حينها، بل عبر الصمت والنظرات عن مشاعرنا”.

عاشت هالة وابنها “مؤمل” في بيت أهلها لنحو سبع سنوات، حيث تلقى مؤمل كل الرعاية والحب منها ومن أهلها وأهل زوجها أيضاً في محاولة لتعويض النقص العاطفي الحاصل جراء غياب والده عنه، وبعد مرور بضع سنوات، تم الحكم على أبو مؤمل بالسجن لعشر سنوات، جاء الخبر ثقيلاً على هالة التي كانت تأمل أن تكون المدة أقل من ذلك.

في السنوات الأخيرة قبيل الإفراج عن زوجها، سعت هالة لامتلاك بيت مستقل، واستطاعت تحقيق من خلال أخذ قرض من البنك والمثابرة في العمل وإعطاء الدورات والدروس الخاصة للتلاميذ، فضلاً عن مساعدة الأهل.

في العام 1988 تم الإفراج عن أبو مؤمل، وبدأت بعض المشاكل تظهر بينه وبين ابنه الذي لم يعتد على وجوده في البيت، وخصوصاً مع محاولة والده أن يقسو عليه قليلاً فيما يخص الدراسة بعد أن كان مدللاً من قبل الجميع.

مرت العائلة بظروف مادية صعبة، حيث لم يستطع أبو مؤمل تأمين فرصة عمل بسهولة بعد خروجه من السجن، وكان على هالة تأمين المصاريف وسد أقساط البنك في آن معاً، فبذلك مجهوداً كبيراً ما بين وظيفتها وإعطاء الدروس الخصوصية للطلاب بعد الدوام، واستمرت على ذلك الحال نحو 20 عاماً، الى أن تقاعدت من العمل.


سُجلت هذه المقابلة
في تركيا

المواضيع ذات الصلة بهذه القصة:


أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: