نادية سعيد

"لن أمنع ابنتي من الاختلاط بالناس أو ممارسة حياتها بشكل طبيعي، سأعطيها الحرية المطلقة في عيش حياتها التي تحب ولكن ضمن الأصول".

نشأت نادية سعيد في قرية رأس العين التابعة لمنطقة القلمون بريف دمشق، وعاشت حياة ريفية بسيطة في كنف عائلة كبيرة مكونة من تسعة شبان وخمس فتيات.

كانت نادية تمضي معظم وقتها في الأعمال المنزلية أو الدراسة، إذ لم يُسمح لها بالخروج من المنزل إلا برفقة أحد إخوتها أو والديها.

كان موسم القطاف والعمل في الحقل يعتبر متنفّس نادية الوحيد للاستمتاع ببعض الوقت بصحبة بنات ونساء العائلة خارج البيت، تقول في ذلك، “يبدأ موسم قطاف فاكهة الكرز الذي يعتبر من أفضل المواسم أول فصل الربيع، كنا نذهب الى الحقل بعد عودتنا من المدرسة لنبدأ بقطف الكرز وتعبئته في صناديق، وعند المساء كنت أجلس مع نساء وبنات العائلة، نغنّي ونرقص ونمضي أوقاتاً جميلة حتى يحل الظلام”.

تعرّض والد نادية لإصابة وهو يفك قطعة غيار آلة زراعية ضخمة، فسقطت القطعة المعدنية على رجله واضطر لملازمة المنزل، وبعد فترة ساءت حالته الصحية وبترت ساقه بسبب إصابته بالغرغرينا، وعلى إثر تلك الحادثة اضطر أبناؤه الشبان لترك الجامعة والعمل لتأمين مصاريف العائلة.

تزوجت نادية وهي في عمر السابعة عشرة بعد أن درست التمريض في معهد مهني بمدينة دمشق. تم الزواج بطريقة تقليدية ودون أن تتعرف على زوجها بشكل جيد وكاف، فعندما عرض عليها الزواج عارضت الفكرة لكونها ما تزال صغيرة، ولكن بحسب عادات وتقاليد أهل الريف ليس للفتاة حق إبداء الرأي في حال موافقة الوالدين على الأمر.

تقول نادية إنها أخذت وقتها حتى تم الانسجام بينها وبين زوجها الذي كانت تخاف منه أول الأمر ولذلك تأخر إنجاب طفلها الأول لنحو ثلاث سنوات.

كانت نادية مرتاحة مع زوجها الذي كان يعمل في مهنة الديكور وطلاء المنازل، حيث تغيرت حياتها بعد الزواج وباتت تمتلك مساحة أكبر من الحرية التي حصلت عليها في بيت أهلها.

تذكر نادية أن أسعد لحظات حياتها كانت عندما ذهبت أول مرة للتسوق بمفردها وتعرفت على سوق الحميدية في دمشق، تقول، “كانت حياتي تنحصر بين الأعمال المنزلية والدراسة ولم يكن يسمح لي بالخروج خارج القرية، حتى إني كنت أُمنع من استخدام الهاتف الأرضي للمنزل بسبب العادات والتقاليد المحافظة لأهل الريف، عندما رأيت سوق الحميدية تفاجأتُ بوجود مثل هذه الأسواق والأماكن الأثرية الجميلة التي لم أشاهدها من قبل، كانت تلك أسعد لحظة في حياتي شعرت خلالها بالحرية”.

بعد إنجاب الطفل الأول بثلاث سنوات، تعرض زوج نادية لإصابة في رجله أفقدته القدرة على العمل، ولم يتلقى أي تعويض على إصابته كما لم يساعده رب العمل بأي مبلغ سوى أنه نقله الى المشفى لتلقي الاسعافات الأولية فحسب، وبعد فترة بدأت حالته تسوء فاضطرت نادية للعمل كممرضة في قسم الإسعاف بأحد مشافي دمشق رغم معارضة زوجها وإخوتها للأمر، لكنها أصرت على مساعدة زوجها في محنته.

تحملت نادية خلال تلك الفترة مسؤوليات كبيرة وواجهت ضغوطات عدة، كانت هي المسؤولة عن مصاريف العائلة ودفع أقساط البيت وتأمين الأدوية لعلاج زوجها، تقول إنها تلقت بعض المساعدة من أهل زوجها ولكن ذلك لم يكن كافياً لتغطية نفقات الحياة والأقساط.

استمرت نادية بالعمل حتى عام 2011 ثم اضطرت لتركه بسبب الحصار الذي فرض على منطقة القابون مكان إقامتها إبان الثورة السورية.

اليوم، نادية أم لطفلة عمرها ست سنوات، تقول، “لن أربّي ابنتي بنفس طريقة أهلي، لن أمنعها من الاختلاط بالناس أو ممارسة حياتها بشكل طبيعي، سأعطيها الحرية المطلقة في عيش حياتها التي تحب ولكن ضمن الأصول”.


سُجلت هذه المقابلة
في

المواضيع ذات الصلة بهذه القصة:


أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: