مصطفى الشيخ فتوح

"كان راتب المعلّم لا يُسمنُ ولا يغني من جوع، وكان ذلك مقصوداً كي يبقى المواطن مشغولاً بتأمين قوت يومه ولا يفكر بالتمرد".

تخرّجَ مصطفى الشيخ فتوح من معهد إعداد المدرّسين في مدينة حمص عام 1989، وبحسب الأنظمة السائدة آنذاك كان يتوجب على المدرسين الجدد العمل لمدة عامين أو أكثر في المناطق النائية التي يفتقر سكانها الى حملة الشهادات، وبناء على ذلك، تم انتداب مصطفى الى قرية حسرات في ريف مدينة البوكمال التابعة لمحافظة دير الزور.

كان مجتمع تلك القرية الزراعية الواقعة على ضفاف نهر الفرات وعلى بعد 20 كلم عن جمهورية العراق مجتمعاً ذا طابع عشائري، يتذكر مصطفى يوم وصوله الى القرية برفقة ثلاثة زملاء من حمص تم تعيينهم معه في نفس القرية، حيث نزلوا بضيافة المختار الذي يرأس العشيرة، “رحب بنا المختار الذي كان برفقة عدد من وجهاء العشيرة، ودعانا الى عشاء فاخر من مناسف الأرز واللحم تكريماً لحضورنا الى القرية، كانت الأجواء ودية وتبادلنا التعارف والتحيات مع الحضور”.

في تلك الفترة تم تعيين عدد من المعلمين الجدد من محافظات عدة مثل حمص وطرطوس وغيرها في ذات المدرسة، قام مصطفى ببناء علاقات قوية معهم ومع سكان المنطقة حتى صار لديه أصدقاء ومعارف كثر، وتم تعيينه لاحقاً كمدير لمدرسة أخرى في نفس القرية.

تبرع مالك أحد البيوت الكبيرة في القرية والذي كان يعمل في الخليج العربي بمنزله الى مصطفى ليقيم فيه مجاناً عوضاً عن السكن المخصص للمدرسين في بناء ملحق بالمدرسة، فانتقل مصطفى برفقة بعض المدرسين الى المنزل الجديد.

يقول مصطفى، “انتقلنا للإقامة في المنزل الجديد، كنا مجموعة من المدرسين من حمص وطرطوس ودير الزور، من أديان وطوائف مختلفة، يوجد بيننا السني والعلوي والمسيحي والتركماني، وكانت العلاقات طيبة فيما بيننا”.

عمل مصطفى في القرية لمدة سنة ثم غادرها نحو عامين ونصف لقضاء فترة الخدمة العسكرية الإلزامية، وبعد الانتهاء من خدمة العلم، أراد مصطفى أن يكمل فترة التدريس في الأرياف بنفس القرية لأنه كان على علاقات جيدة بسكانها، وفعلاً تم له ذلك من خلال الواسطة.

يقول، “عدتُ الى التدريس في قرية حسرات بدعم من إحدى الشخصيات الأمنية التي أعرفها، فقد كانت التركيبة السياسية والأمنية في سوريا تسمح للشخص صاحب العلاقات بأحد الضباط أو المسؤولين أن يحصل على ما يريد عن طريق الواسطة والرشاوى، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الطائفة العلوية كان لديها بعض الامتيازات عن باقي أبناء المجتمع، فأنا كشخص مسلم سنّي كانت حظوظي لدى تقديم أي طلب في دوائر الدولة أضعف من الشخص العلوي، ولذلك كان لابد من الواسطة والرشاوى لتتم الأمور على ما يرام”.

يقول مصطفى إن البيئة الاجتماعية التي نشأ بها في منطقة القصير بريف حمص كانت بيئة تبغض النظام الحاكم في سوريا، ولكن في نفس الوقت كانت تتعامل معه كأمر واقع مفروض عليها. “كنت أتعايش وأتعامل مع الناس من مختلف الطوائف والأديان، ولكن في نفس الوقت كنت أتخذ الحيطة دائماً، فهناك مواضيع معينة لم أكن أستطيع الخوض فيها مع أناس من طائفة معينة، خوفاً من الضرر الذي يمكن أن يلحق بي كوننا خاضعين لنظام ديكتاتوري”.

بعد أن أنهى فترة التدريس في الريف شرقي سوريا، عاد مصطفى الى حمص وعمل الى جانب التعليم في نشاطات أخرى ليحقق الاكتفاء المادي ويستطيع أن يتزوج ويؤمن لنفسه حياة كريمة، فقد كان راتب المعلم في ذلك الوقت لا يسمن ولا يغني من جوع كما يصفه مصطفى الذي يرى أن ذلك الحال كان مقصوداً من قبل النظام الحاكم، كي يبقى المواطن مشغولاً بتأمين قوت يومه ولا يفكر بالتمرد عليه.


سُجلت هذه المقابلة
في

المواضيع ذات الصلة بهذه القصة:


أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: