مريم الحلاق

"كنت أعمل بجدّ على مدار الساعة ومع ذلك لم أتلقى أي ثناء أو شكر من مديرية التربية"

تزوجَتْ مريم الحلاق في سن السابعة عشرة ثم تابعَتْ دراستها في معهد إعداد المدرسين “الصف الخاص” بتشجيع من زوجها ومساعدة من والدتها في تربية الأولاد.

عملت مريم بالتدريس في مدارس دمشق لمدة أربع سنوات قبل أن تنتقل من حي باب توما الى مدينة حرستا بريف دمشق لتعمل في إحدى مدارسها قرابة ثلاث سنوات ثم تتولى إدارة المدرسة ذاتها في العام 1985.

تقول مريم، “اتصفَتْ الأجواء في حرستا آنذاك بالتشدد الديني وانتشار المشاكل خصوصاً في العشوائيات”.

كانت المدرسة تضم طلاباً من كافة طبقات وفئات المجتمع الفقيرة والغنية والمثقفة وغير المتعلمة، وبحكم وجود أحد الأحياء العشوائية بالقرب منها كان بعض أولياء الطلاب من متعاطي الحشيش أو من تصفهم مريم بالجهلة، وتلقى أبناء هذه الفئة معاملة خاصة من إدارة المدرسة من حيث الاعتناء بنظافتهم الشخصية والتعامل مع عائلاتهم ومعالجة مشكلة تسربهم من المدرسة.

حاولت مريم معالجة كافة المشاكل التي واجهتها سواء مع الأهالي أو الكادر التدريسي بالهدوء والاستيعاب، وفي أحيان كثيرة حاولت حل مشاكل الطلاب الاجتماعية الناجمة عن انفصال أهاليهم واستطاعت في بعض الحالات حل الخلافات بين آباء وأمهات الطلبة.

تقول مريم، “كنت أعمل بجدّ على مدار الساعة ومع ذلك لم أتلقى أي ثناء أو شكر من مديرية التربية، في حين كانت غلطة واحدة يقترفها أحد المدرسين كافية لتوجيه اللوم والتوبيخ للإدارة والكادر التدريسي مجتمعَين”.

مع صدور قرار من وزارة التربية يمنع الضرب داخل المدرسة، زادت المشاكل في الإدارة والتدريس في ظل انعدام الظروف المساعدة لتطبيق مثل هذا القرار خاصة مع الأعداد الكبيرة للطلاب في الفصول الدراسية، وانتشار الشغب والأعمال غير الأخلاقية بينهم، فضلاً عن قلة كفاءة بعض المدرسين الجدد وانتشار الواسطة لتعيينهم، أدى كل ذلك الى زيادة المشاكل على إثر القرار بدل أن يحد منها.

تقول مريم، “هيمنت الطبيعة العسكرية للنظام الحاكم على المؤسسات التعليمية، فكان الطلاب يضطرون لحفظ مقولات الرئيس حافظ الأسد ضمن مناهجهم الدراسية، كما كان للفرق الحزبية البعثية نفوذاً كبيراً وسيطرة واسعة من حيث ترشيح المعلمين وتوجيه الإدارات والإشراف على معسكرات الشبيبة وترغيب الطلاب بالانتساب للحزب عن طريق دعاية مفادها أنهم لن يستطيعوا الحصول على الوظيفة مستقبلاً إلا في حال انضموا لصفوفه، يضاف الى ذلك كله تدخل عناصر الأمن وزياراتهم المتكررة سواء بمهمات رسمية أو بدافع شخصي للتفتيش على سلامة صور الرئيس وإجبار المدرسين والطلاب على الخروج في المسيرات والتأكد من إقامة تحية العلم  ومنع الصلاة ومظاهر الاحتفالات الدينية”.

مع تغيّر الجغرافيا الاجتماعية في الأرياف عموماً خلال فترة الثمانينات، والتي نجمت من انتقال أهل المدينة إلى الريف واستقرار بعض الطوائف التي تهتم بتدريس أبنائها مثل الطائفة العلوية في ريف دمشق، لاحظَتْ مريم تطور الحالة التعليمية في المنطقة، فظهر جيل جديد من الدارسين والمثقفين والجامعيين وبدأت بعض فتيات المنطقة بالنزول الى سوق العمل، كما أضحت النسبة العظمى من المعلمين من فئة الإناث.

تذكر مريم أن المناهج الدراسية الحديثة التي تم اتباعها في العقد الأخير كانت قوية وثريّة بالمعلومات، غير أن الظروف العامة في المدارس من حيث كثرة أعداد الطلاب وقلّة اهتمام المدرسين أدت لضعف تأثيرها على الطلاب وبقاء اعتمادهم مبدأ الحفظ والتكرار الذي يُنسى فور تقديم الامتحانات، وإلى جانب المناهج الرسمية ثمة أنشطة رديفة مثل الحصص الأسبوعية المخصصة للنشاطات الطليعية والتربية الصحية التي كان من المفترض أن تكون تفاعلية واستكشافية من خلال دمج المناهج بالتكنولوجيا واستخدام الحاسوب، إلا أن ضيق وقت الحصة الدراسية وإهمال المدرسين أفرغها من مضمونها وبقيت هذه النشاطات شكلية ومتعلقة بحضور المفتش التربوي الذي لطالما اتصف بالتقليدية ومحاربة كل مظهر للتجديد والإبداع.


سُجلت هذه المقابلة
في بيروت

المواضيع ذات الصلة بهذه القصة:


أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: