مريم البوشي

الحياة والمجتمع في بلدة بنّش بريف إدلب منذ خمسينات القرن الماضي.

ولدت مريم البوشي في بلدة بنّش بمحافظة إدلب، وبدأت العمل في الحقول بالزراعة أو الحصاد منذ عمر السابعة.

لم يكن هناك وجود للمدارس في بنّش، بل كان الأطفال يدرسون حتى الصف الخامس الابتدائي فقط في أحد بيوت البلدة، حيث يقوم مالكه بتخصيص قسم منه كمدرسة للأطفال، وبالنسبة لمريم فهي لم تدخل المدرسة أبداً بسبب عدم السماح لأغلب بنات جيلها بالدراسة، ولذا بقيت أميّة لا تجيد القراءة والكتابة.

تقول مريم، “لم تكن الفتاة تستطيع الخروج بعيداً عن بيتها إلا برفقة أحد، في أوقات الفراغ كنت أزور بنات الجيران، نجلس ونقوم بالتطريز على القماش كنوع من التسلية”.

وتتابع القول، “لم يكن الناس قديماً يرغبون بإنجاب البنات، حتى إن بعض العائلات في بنش وأدَت بناتها وهن أحياء، حدث ذلك زمن الانتداب الفرنسي أو قبله في أيام الحكم العثماني للبلاد”.

تتذكر مريم أن حريقا ضخماً نشب في الأراضي الزراعية وأتى على معظم المحاصيل، تقول، “في عام 1955 نشب حريق كبير لم تعرف أسبابه كاد أن يحرق البلدة بكاملها، فجاءت فرق الدفاع المدني من مديني إدلب وحلب لإخماد النيران، أذكر أن والدي وضعني في دكانه وأغلق بابه الحديدي عليّ لحمايتي من الحريق”.

لم تكن الخدمات الطبية أو اللقاحات موجودة في ذاك الوقت، فعند مرض أحد الأطفال كان الأهل يقدمون له بعض الأعشاب المغلية كاليانسون والكمون ويقومن بدهن جسمه بزيت الزيتون، ولذلك توفي أخو مريم وهو في عامه الأول، كما توفيت أختها بعمر ثلاث سنوات بعد أن أكلت بعض التراب من أمام المنزل فمرضت لمدة أربعين يوماً ثم ماتت.

تتحدث مريم عن صعوبة الزراعة أيام طفولتها بسبب الاعتماد على الطرق البدائية وعدم استخدام الآليات الزراعية الحديثة في الزراعة أو الحصاد، “كنا نملك بعض الأراضي ولكن أبي قام ببيعها، فصرت أعمل في أرض الجيران بزراعة بعض المحاصيل كالقمح والعدس والسمسم، ونحصد القمح يدوياً بواسطة المناجل حيث لم يكن ثمة آليات زراعية حديثة، وكنا نستخدم الدواب في نقل المحصول”.

وتتابع القول، “كان العمل متعباً جداً، وكان الفلاح يعمل لنحو ثلاثة شهور في الحصاد فقط، كما كان الرجال والنساء يعملون في الأرض سوياً”.

تزوجت مريم في عمر الخامسة عشرة بطريقة تقليدية ودون تعارف مسبق مع زوجها،

تقول، “لم يكن مسموحاً للبنت في ذاك الوقت أن تتعرف على عريسها قبل الزواج، كان العريس يذهب الى بئر الماء ليلقي نظرة عن بعد على العروس أثناء تعبئتها لجرة الماء”.

تتحدث مريم عن طقوس حفلة الزفاف التي كانت رائجة في بنّش، “تذهب العروس الى الحمام برفقة صديقاتها لثلاثة أيام على التوالي، من الساعة الثانية عشرة ظهراً حتى الخامسة مساءً، وتجتمع الصبايا كل مساء للاحتفال بالعروس بالأغاني والرقص، ويقمن بتحضير أكلة الشعيرية يدوياً، وفي اليوم الثالث تقوم إحدى النساء بوضع الحنة العربية على يدي العروس، وفي اليوم التالي يأتي أهل العريس ويأخذونها الى بيت زوجها.

وتتابع القول، “وفي يوم الصبحية، أي أول صباحات العروس في بيتها الجديد، يقوم أهل الزوج بتجهيز الطعام وذبح الذبائح لاستقبال الضيوف الذين يأتون تباعا ويقدمون النقوط أي الهدايا بمناسبة الزفاف، كالأرز أو السكر أو النقود، وأثناء ذلك تكون العروس جالسة كل الوقت لاستقبال الضيوف مع أهل البيت”.

من الأمور الطريفة التي تتذكرها مريم، حين اشترى زوجها جهاز التلفاز في العام 1977، وصار بعض أهالي الحي والأقرباء يجتمعون عندهم لمشاهدة البرامج التي كانت تبث في ذلك الوقت.

أنجبت مريم خمس بنات وثلاثة شبان لم يعمل أي منهم في الزراعة، وبقيت تعمل في الأرض في وقت كان فيه زوجها موظفاً في إحدى المدارس، درس بعض الأولاد حتى المرحلة الإعدادية أو الثانوية في حين لم يكمل الآخرون تعليمهم.

تقول مريم، “كانت حياتنا بسيطة جداً ليست مثل هذه الأيام، كانت البنت تتزوج باكراً ولا تعيش فترة المراهقة، أما اليوم فصارت الفتاة تدرس وتخرج لترى العالم من حولها، أذكر إحدى المرات وبينما كنت ألعب مع بعض البنات على أرجوحة منصوبة على بوابة بيت عمتي، جاءت أمي ووبختني لأني مازلت ألعب مع البنات كالأطفال وأنا في فترة الخطوبة”.


سُجلت هذه المقابلة
في

المواضيع ذات الصلة بهذه القصة:


أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: