محمد نور الدين

"كلّ من عمل في جهة حكومية، لمسَ الفساد والمحسوبية وانتشار الطائفية بشكل واضح".

توظف محمد نور الدين عام 1992 في فرع الأشغال العسكرية في مدينة حمص بمساعدة أحد أقربائه الذي كان رئيساً للفرع التابع لوزارة الدفاع.

يقول محمد إن الواسطة التي كانت تعتبر الوسيلة الوحيدة للتوظيف في الجهات الحكومية هي التي مكنته من أن يباشر عمله كرئيس للديوان في الفرع، فكان المسؤول عن البريد الصادر والوارد واليد اليمنى لرئيس الفرع، يأخذ منه صلاحياته بشكل مباشر ويأتمر بأمره بعيداً عن أي تسلسل إداري.

استمر محمد في منصبه لمدة عامين قبل أن يتم دمج فرعي الأشغال في مدينة حمص وينتقل قريبه المدير إلى فرع العاصمة، ونتيجة لذلك تغير منصب محمد إلى مندوب مواد.

كانت مهمته الجديدة تأمين المواد ومستلزمات المشاريع الخاصة بالجيش باعتبار أن فرعه كان مسؤولاً عن إقامة وترميم أبنية ومساكن ووحدات الجيش والقطعات العسكرية وتزويدها بالماء والكهرباء، استمر محمد في هذا العمل من عام 1994 الى 2012.

 

يقول محمد، “كل من عمل في جهة حكومية، لمس الفساد والمحسوبية وانتشار الطائفية بشكل واضح”.

تجلى الفساد في مؤسسة محمد من خلال أساليب عدة، منها تزوير فواتير شراء مستلزمات البناء والترميم التي شهدها محمد بحكم طبيعة عمله، وتزوير التكاليف الحقيقية لإصلاح الآليات التابعة للوزارة وتسخيرها لصالح المدراء ورؤساء الأقسام في مزارعهم، فضلاً عن تسخير العسكريين وانتهاز فرص الاحتفال في المناسبات القومية والرسمية لتسجيل تكاليف وهمية بهدف تغطية السرقات المرتكبة من قبل المدراء، إضافة لاختلاس بعض الموظفين المواد والمشتقات النفطية والأخشاب لاستعمالهم الشخصي وتنظيم محاضر إتلاف للمواد المستهلكة لتغطية السرقات.

مع تسلم الرئيس بشار الأسد زمام الحكم، انطلق شعار نظام المحاسبة ومكافحة الفساد، مما حدا ببعض المستفيدين والمدراء بالتخفيف من فسادهم، غير أن ذلك لم يستمر طويلاً، ليعودوا فيما بعد الى سابق عهدهم.

يقول محمد إن الأجواء في مؤسسته كما سائر الجهات العامة في سوريا كانت تتسم بانتشار الطائفية وتكتل الموظفين في حلقات، الحلقة الأولى هم الأشخاص المقربون من الإدارة والقيادات، كانوا يجتمعون بشكل متكرر لمناقشة طرق الاستفادة من وظائفهم، والحلقة الثانية تضم الموظفين أصحاب الحظوة من غير المداومين، أما الحلقة الثالثة فتتكون من الموظفين العاديين الملتزمين بأعمالهم.

 

يضيف محمد أن أبناء الأقليات الطائفية وبالرغم من انقساماتهم الداخلية وتعدد الملل والتفرعات ضمن الطائفة الواحدة، فهم متكتلون مع بعضهم البعض، وخاصة أبناء الطائفة العلوية (الكلازية) التي كان أبناؤها الأكثر تميزاً وأصحاب النصيب الأكبر في الدعم، دون حاجتهم للجوء إلى التراتبية والتسلسل الوظيفي والروتين. وبالنسبة للموظفين الجدد، فتبلغ نسبة أبناء الطائفة العلوية بينهم نحو 95 بالمئة، في حين يتقاسم أبناء الطوائف الأخرى النسبة المتبقية، ولا يتم عادة الإعلان عن فرص التوظيف في الصحف، بل كان الأمر يعتمد على الواسطة من خلال المتنفذين ورؤساء الأفرع والمدراء، كما انتشرت ظاهرة التوظيف على الورق بحيث تصرف الرواتب لبعض الموظفين وهم قابعون في منازلهم، وأغلب هؤلاء من العلويين مع العلم أن بعض الجهات ذات الإنتاج الحيوي تعاني دائما من نقص في كوادرها دون استجابة من الجهات المعنية، لأن العمل في تلك المؤسسات مجهد وهو ما لا يليق بأصحاب الواسطة والمدعومين.

عانى محمد من المحسوبيات من خلال تغيير مسماه الوظيفي وعدم ترفيعه إدارياً وحرمانه في بعض الأوقات من مكافآته وإجازاته والمهمات التي كانت تمنح لزملائه ممن هم أقل كفاءة وخبرة منه، ليجدهم حسنوا مواقعهم الوظيفية وترفيعاتهم ورواتبهم الشهرية التي وصلت إلى ضعف راتبه.

ونظراً لعدم كفاية راتبه لمصاريف المعيشة التي زادت مع مرور الزمن، عمل محمد بتجارة وبيع الحبوب الزراعية إلى جانب وظيفته، وتعرض الى مضايقات من قبل بعض الجهات الحكومية التي كانت تجبره في بعض الأحيان على دفع مبالغ توازي ثمن بضاعته بين رسوم تخليص ومدفوعات متفرقة، يضاف الى ذلك وجود بعض التجار من بعض الطوائف المحددة ممن ضربوا سمعة التاجر السوري في الأوساط العالمية عمداً ولأهداف مجهولة.

ترك محمد وظيفته أواخر العام 2012 نتيجة إغلاق منطقة عمله لأسباب أمنية وانتقال المقر إلى منطقة أخرى عانى فيها محمد من صعوبات يومية في طريقه للعمل، ما دفعه للتغيب عن الدوام فاعتبرته إدارته بحكم المستقيل.

 


سُجلت هذه المقابلة
في بيروت

المواضيع ذات الصلة بهذه القصة:


أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: