ماريا

"ربما لم يكن للعلم قيمة كبيرة بين أبناء جيلي، لأن أعلى نسب البطالة كانت بين المتعلمين وخريجي الجامعات".

عندما كنت صغيرة كانوا يسألونني ماذا ستصبحين في المستقبل، كنت أردد كلمات أبي الذي يرغب بأن أكون طبيبة تجميل، في الحقيقة لم يكن ثمة مساحة يُعبّر الطفل من خلالها عن رغبته الذاتية أو ميوله ومواهبه. هكذا تصف ماريا العلاقات التي كانت سائدة بين الكثير من أبناء جيلها وآبائهم.

ولدت ماريا عام 1984 في حي القنوات بمدينة دمشق، وهو أحد الأحياء التي نشأت خارج سور دمشق التاريخي، سُمي قديماً “حارة البكَوَات” لكثرة الوجهاء والأثرياء الذين قطنوا فيه ولقرب موقعه من مركز المدينة التجاري، فضلاً عن غناه بالمباني الحكومية القديمة كالمشيرية والسرايا والبلدية.

لم تكن ماريا معجبة بالنظام التعليمي السائد أو بعلاقة المعلمين بالتلاميذ، والتي عادة ما تكون علاقة هرمية بين من يعطي الأوامر ومن يجب أن ينفذها دون فهم أو نقاش.

تقول ماريا، “من بين المواد الدراسية التي أثرت في تكوين شخصيتي مبكراً مادة التربية الدينية التي تدعو الى الأخلاق والتأكيد على ارتباط الفرد وأعماله بالمجتمع ككل، وهي أفكار قابلة للتطبيق وساهمت في اهتمامي بالصالح العام والعمل المجتمعي لاحقاً”.

بدأت فكرة التغيير في المجتمع تثبُ الى ذهن ماريا منذ كانت في المرحلة الدراسية المتوسطة، رأت حينها أن القادر على إحداث تغيير حقيقي في البلاد هو رئيس الجمهورية، وعلى هذا النحو، فكّرَتْ أن تصبح رئيسة للبلاد، لكنها كانت تواجه بالسخرية حين تبوح برغبتها أمام الآخرين، حتى أدركَتْ أخيراً أنه أمر من المستحيل تنفيذه.

تقول ماريا، “كان هناك سعي دائم لإنتاج جيل بقالب معين من خلال برمجة عقول الطلاب بأنماط محددة مسبقا”. وفي هذه السياق تذكر نظام التربية العسكرية الذي كان متبعاً في كل المدارس السورية ما قبل عام 2000، وهو عبارة عن نظام صارم يلزم الإناث والذكور على حد سواء بارتداء البزّة العسكرية طيلة العام الدراسي، فضلاً عن حضور دروس في التربية العسكرية وتعلم فك وتركيب السلاح بدءاً من المرحلة الثانوية، ويتخللها إقامة معسكرات عسكرية صيفية للطلاب.

وتتابع القول، “حتى شكل الصف الدراسي كان تقليدياً ومتشابهاً في كل المدارس، فمن المعروف ماهي الصورة التي يجب وضعها في منتصف الحائط، إضافة الى الصورتين على يمينها ويسارها، والأعلام والشعارات، كان كل شيء يبدو مدروساً بعناية”.

لم يكن لدى ماريا طموح أو هدف واضح طوال فترة الدراسة ما قبل الجامعية، بل كانت ككثير من أبناء وبنات جيلها تسعى فقط لنيل معدّل جيد في الشهادة الثانوية يخوّلها دخول أحد الفروع الجامعية المهمة، وعلى هذا النحو التحقت ماريا بكلية التجارة والاقتصاد بجامعة دمشق، ومع بداية عامها الدراسي الأول تفاجأت بأعداد الطلاب الضخمة والازدحام في قاعات ومدرجات الدراسة، لم يكن الجو العام كما تصورت سابقاً.

تقول، “تعرفتُ على مجموعة من الطلبة، ربما كانوا يعتقدون أني مسيحية مثلهم بسبب اسمي، وفي أحد أيام شهر رمضان ذكرتٌ بالصدفة أني صائمة، فاكتشفوا أني مسلمة وباتوا يعاملونني بجفاء مما اضطرني لاحقاً الى تركهم”. بدأت ماريا تلاحظ بعد تلك الحادثة التكتلات بين طلاب الجامعة، فهنا مجموعة للفلسطينيين، وهناك لطلاب من منطقة الجزيرة شرق سوريا، وأخرى من المنطقة الجنوبية درعا ومحيطها، لم تستسغ ماريانا فكرة التكتلات تلك، وباتت تفضل قضاء أغلب الوقت بمفردها.

في عامها الدراسي الثالث، اختارت ماريا تخصص “اقتصاد”، وشكّل هذا الخيار نقطة فارقة في مسيرتها الدراسية. تقول في ذلك، “تأثرتُ بمادة التنمية والتخلف التي تتحدث عن نظريات التنمية والتخلف وأساسها الفكري، عندها شعرت أني أحب هذه المجال وأرغب في إتمامه حتى النهاية”.

تذكرُ ماريا تأثير والدها الإيجابي عليها وتشجيعه الدائم لمتابعة دراستها ونيل أعلى الشهادات الأكاديمية، في حين كانت والدتها ترغب بتزويجها بعد الانتهاء من الجامعة، تقول إن فِكر والدها كان مختلفاً عن النمط المجتمعي الذكوري السائد الذي لا يشجع البنات عادة على إكمال الدراسة الجامعية أو ما بعدها، وتعزو ذلك الاختلاف لسفره الى بلدان أجنبية حين كان يافعاً أو لأنه نشأ في عائلة تشجع العلم، حيث إنّ عمّاتها حاصلات على شهادات ومناصب مرموقة في حياتهن المهنية.

تقول ماريا، “ربما لم يكن للعلم قيمة كبيرة بين أبناء جيلي، لأن أعلى نسب البطالة كانت بين المتعلمين وخريجي الجامعات، فضلاً عن الدخل المحدود للعاملين في القطاع العام من معلمين وموظفين وغيرهم”.

مع بداية مرحلة دراسة الماجستير، بدأت ماريا رحلة البحث عن العمل الذي لم تتمكن من الحصول عليه بسبب انتشار المحسوبيات والواسطة، فتطوعت في إحدى جمعيات المجتمع المدني وعملت بها لاحقاً، ما عزز من اهتمامها بالصالح العام بعيداً عن عالم الشركات والمؤسسات ذات الطابع التجاري.

تقول ماريا، “راودَتْ فكرة السفر والعمل في الخارج كثير من أبناء جيلي، ومنهم من سافر فعلاً الى دول الخليج والسعودية، فكرت أنا أيضاً بالسفر لكن ليس الى الخليج، لأني كنت أرغب بالعمل في الشأن العام، وغالباً لن أتمكن من تحقيق ذلك في تلك المنطقة”.

تصف ماريا جيل الثمانينات بالقول، “جيلنا هو جيل الحلم، جيل طوباوي، فرغم محاولة قولبته بقالب اجتماعي وثقافي معين، بقي قادراً على فهم الآخر والتعامل معه دون تمييز على أساس طائفي”.


سُجلت هذه المقابلة
في

المواضيع ذات الصلة بهذه القصة:


أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: