ماجد العلوش

الحياة والمجتمع في دير الزور منذ خمسينات القرن الماضي.

يصف ماجد العلوش مدينة دير الزور بأنها أكبر مدن شرقي سوريا، وأكبر الحواضر المطلة على نهر الفرات، وهي في نفس الوقت تقع على كتف البادية السورية، مما جعل مجتمعها متأثراً بطباع البادية وطباع المناطق الحضرية أيضاً، يقول ماجد، “تراث دير الزور غني جداً ومختلط بالتراث العراقي والتراث الرقاوي، كانت المنطقة في السابق تعتمد بشكل أساسي على الإنتاج الزراعي والحيواني، إضافة للصناعات الحرفية، ولكنها بدأت تعاني من كوارث حقيقية بعد انقلاب عام 1970، فعلى المستوى الاجتماعي لم تعد دير الزور تحمل مضامين المدينة وقيمها ونشاطها وتحولت الى ما يشبه القرية الكبيرة، وعلى المستوى السياسي لم يبقى فيها سوى المطبّلين للسلطة الحاكمة، أما الانهيار الأكبر فكان على المستوى الاقتصادي الذي شمل عموم المنطقة الشرقية، حيث لم يعد ثمة استثمارات للقطاع الخاص، وانتقل كل شيء الى أيدي الجهات الحكومية ذات المشاريع الفاشلة التي تعاني من تكدس الموظفين وقلة الرواتب وانتشار الفساد”.

عانى القطاع الزراعي والحيواني في دير الزور أيضاً بسبب القوانين والممارسات الخاطئة مثل فرض وتحديد مساحات زراعية معينة، وفرض أسعار بيع المحاصيل، والمشاكل مع الوحدات الإرشادية والجمعيات الفلاحية، ما عرّض المزارع الى ظلم كبير، فتزايدت الهجرة الى المدن وتم إهمال الريف.

يرى ماجد أن الأمر الأخطر من كل ما سبق، هو انتشار المظاهر الدينية مع بداية الثمانينات والتي خلقت مشاكل جمة، حيث تعاون نفس الأشخاص الذين ظهروا بالشكل الديني الجديد مع المخابرات وقبضوا الرشاوى، وكانوا يبدون ولاء للنظام، وفي نفس الوقت التزاما دينياً ظاهرياً فقط.

كانت دير الزور في خمسينات وستينات القرن الماضي تتصف بكل مظاهر ومواصفات المدينة، وأهمها النشاط السياسي والثقافي والاجتماعي، كان ثمة نشاط لأحزاب وتيارات عدة ومن أشهرها الأحزاب ذات التوجه اليساري والوطني، ورغم عدم إيمانه بالصورة الوردية التي تم نقلها عن تلك المراحل والتي لعبت المخيلة بعد القهر والظلم بتجميلها، يرى ماجد أنها كانت فعلاً مرحلة جميلة من التعايش وخوض الانتخابات وممارسة النشاط الحزبي، وحتى في فترات الانقلابات العسكرية، كانت المظاهرات المناهضة تقمع ولكن دون متابعة المتظاهرين الى بيوتهم ومناطق سكنهم. يقول ماجد، “كانت المدارس منتشرة في أغلب أحياء المدينة على شكل بيوت مستأجرة أو أبنية رسمية قديمة من الحقبة العثمانية أو الفرنسية، وكان مستوى الأمية ينخفض بشكل متسارع، وحتى المعلمين كانوا أكثر إخلاصاً في عملهم، ثم تحولت المدينة بعد عام 1970 الى قرية كبيرة، وبدأ مستوى التعليم بالتدهور نتيجة قلة كفاءة وإخلاص المعلمين، ربما بسبب التدهور الأخلاقي العام والظروف المعيشية الصعبة في عموم سوريا، حيث تم تعيين المسؤولين في جميع المناصب ابتداءً من مدراء المدارس وحتى منصب المحافظ ممن هم الأسوأ في جميع النواحي الأخلاقية والمهنية، وهو الأمر الذي أدى الى إهمال العاملين في المستويات الوظيفية الأدنى”.

لم تكن الارتباطات العشائرية لسكان المدينة حاضرة لدى الأجيال السابقة، يقول ماجد، “حين كنت طفلاً في المدرسة، لم نكن نعرف حقيقة انتمائنا العشائري، لم يكن لتلك المسألة حضور أو أثر في المدينة، وكأن الأجيال السابقة رمت الانتماءات العشائرية وراء ظهرها، ثم أعيد إحياؤها  بعد 1980، وبشكل ممنهج من قبل السلطة الحاكمة”.

في العام 1987 انتسب ماجد الى جامعة دمشق لدراسة الفلسفة، شكلت جامعة دمشق في تلك الفترة ما يمكن تسميته مجتمعاً سورياً مصغراً من خلال شبابها القادمين من معظم المناطق السورية، حاملين معهم الكثير من الأمل والاندفاع، ولكن الأحوال بدأت بالتبدل أيضاً نحو الأسوأ. يقول ماجد، “كانت الجامعة تضم أساتذة كباراً أمثال جلال صادق العظم وبديع الكسم والطيب تيزيني وغيرهم، ثم بدأ زحف المظاهر البعثية إليها، ومع مرور الوقت، تم تغيير أغلب الكادر التدريسي وبدت مظاهر الضعف في النظام التعليمي الذي صار يعتمد مبدأ الحفظ مثل الذي يعتمد في المدارس الابتدائية”.

في العام 1992 اعتُقل ماجد وهو في سنته الجامعية الرابعة، بتهمة الانتماء الى جمعية محظورة هدفها قلب نظام الحكم بالقوة، في إشارة الى حزب البعث- التنظيم القومي، يقول في ذلك، “تم اعتقالي في فرع التحقيق الداخلي بمدينة دمشق، ورغم كل البشاعات التي مورست ضدنا هناك، يمكن اعتبار الفرع كفندق خمس نجوم مقارنة بفرع فلسطين الذي اعتقلت فيه عام 2008 وقضيت فيه عاماً واحداً تقريباً، في فرع فلسطين، ثمة كل ما يخطر على بال البشر من الممارسات القذرة، بدءاً من التعذيب الجسدي وحتى النفسي، إن الممارسات المتبعة داخل الأفرع الأمنية في سوريا هي خارج نطاق استيعاب العقل أو المنطق البشري”.


سُجلت هذه المقابلة
في تركيا



أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: