عبير ادريس

"تميزَتْ مصياف بالعيش المشترك والزواج المختلط بين كافة مكوناتها، لكن الزواج من أبناء وبنات الطائفة العلوية كان استثناءً غير مقبول".

وُلدت عبير ادريس في مدينة مصياف التابعة لمحافظة حماة لأب سنّي وأم تتبع المذهب الاسماعيلي. تقول عبير، “كان أهالي مصياف يتّبعون المذهب الاسماعيلي، ومع تواتر الحروب والهجرات اختلط النسيج السكاني وصار يضم طوائف وأديان عدة مثل السنّة والشيعة والعلويين والدروز إضافة الى المسيحيين. تميزَتْ مصياف بالعيش المشترك والزواج المختلط بين كافة مكوناتها، لكن الزواج من أبناء وبنات الطائفة العلوية كان استثناءً غير مقبول”.

درَسَت عبير في مدارس مصياف وتقدّمَتْ لامتحان الشهادة الثانوية- الفرع الأدبي، لكنها لم تنجح لعامين متتاليين بسبب ظروف عائلية وإهمالها للدراسة وتمردها على واقعها، إذ عاشت حينها فترة عصيبة مليئة بالتوتر والمشاكل العائلية بسبب قصة حب مع شاب علوي تعرفت عليه في مرحلة الدراسة الإعدادية وتطورت العلاقة معه على مدى سنوات، الى أن مضى كل في طريقه.

سانَدَ عبير في تلك الفترة كل من شقيقتها الصغرى وابن خالها الطالب الجامعي ذو الميول الماركسية والرافض لآراء عائلته الرجعية، ونتيجة لذلك الدعم استطاعت أن تنجح بامتحان الشهادة الثانوية وحاولت دخول كلية الفنون الجميلة ثم معهد الفنون التطبيقية في دمشق، لكن عدم وجود الواسطة حال دون تحقيق أي من ذلك، فتوجهت الى القراءة ومتابعة الأفلام لتملأ الفراغ الذي أحاط بها بعد أن خاب أملها في متابعة الدراسة.

في العام 2003 وبناءً على إعلان في احدى الصحف، اقترح عليها والدها العمل كمضيفة طيران في الخطوط الجوية اليمنية، فتقدمت عبير الى الوظيفة في مدينة دمشق وتم قبولها على الفور لتباشر عملها وتبدأ أولى رحلاتها الى اليمن بعد نحو شهر.

لم تكن فكرة عمل الفتاة كمضيفة طيران مستحبة في المحيط الاجتماعي لعبير، إذ كانت مهنة تحمل العديد من إشارات الاستفهام المتعلقة بسمعة الفتاة وتحررها وخروجها عن السيطرة، وفي حين لم تواجه مشاكل من هذا النوع مع والديها، رفضَ أخوالها وأعمامها المتعصبين دينياً فكرة العمل، ولكنهم لم يملكوا القدرة على فرض رأيهم عليها، وللمفارقة، تذكر عبير أن عمّها ترك المذهب السنّي واعتنق الاسماعيلي وصار متعصباً له، لكن ذلك لم يشكل له مشكلة مع محيطه أو عائلته.

تقول عبير، “في الوقت الذي كان فيه أغلب سكان المنطقة يتبعون المذهبين الاسماعيلي والسنّي، بدأ تيار الشيعة الاثنا عشرية بالظهور منذ العام 2000، وتم تشجيع السكان على الانضمام اليه من خلال توزيع الأموال على الفقراء وإقامة الدورات التدريبية المجانية، مستغلين فقر الناس وعدم وجود مرجعيات من كبار الأهالي وكون الارتباط السياسي هو الغالب في مصياف، حيث تتعدد الانتماءات السياسية بين البعثيين والشيوعيين والناصريين والمنتمين للحزب السوري القومي بعيداً عن الرابط الديني. ومع دخول التيار الجديد، انتشرت ظاهرة ارتداء الحجاب بكثرة بين الأطفال، وأقيمت الموالد الدينية في مسجدهم الذي سُمّي مسجد الرسول الأعظم، وتم تنصيب إمام صار ناطقاً باسمهم وناشراً لتعاليمهم بعد سفره الى إيران وتقلده المناصب الدينية هناك”.

زارت عبير خلال عملها كمضيفة ابن خالها المقيم في اسبانيا، وتعرفت أثناء تلك الزيارة على شاب مغربي الجنسية وجَدَت فيه مواصفات فتى أحلامها، فطلبها الشاب من أهلها ووافقوا عليه دون أي اعتراض، إيماناً منهم بوعيها وحرية قرارها في حين حاول أخوالها وأعمامها الاعتراض ولكن دون أن يؤثر ذلك على إتمام الخطبة.

اضطرت عبير لاحقاً لترك خطيبها بسبب إقامتهما في بلدين مختلفين وصعوبة الزيارات بعد قيام الثورة والتضييق على السوريين في منح تأشيرات السفر.

تقول عبير، “في مصياف، يُسمح الزواج المختلط ما بين أبناء وبنات المنطقة  بغض النظر عن مذاهبهم، ولكن الاعتراض يكون في حال الزواج من غرباء من خارج المنطقة، أو من أبناء وبنات الطائفة العلوية تحديداً، فمثلاً يمكن أن يسامح الأهل فتاةً اسماعيلية تزوجت من شاب سنّي غريب عن المنطقة بعد فترة من الزمن، ولكن تستمر مقاطعة الفتاة إذا تزوجت من شاب علوي، وتضطر لزيارة والدتها وشقيقاتها خلسة بغياب إخوتها الذكور ووالدها وأقربائها، وكذلك الأمر بالنسبة للعلويين الذين يصل بهم الأمر حد القتل في بعض الأحيان نتيجة زواج بناتهم من أبناء طوائف أخرى”.


سُجلت هذه المقابلة
في



أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: