عبد الله يوسف تركماني

"الانقسام بين أبناء المجتمع في اللاذقية كان في السابق سياسياً أو فكرياً، ثم بدأ يأخذ طابعاً طائفياً منذ فترة السبعينات".

ولد عبد الله يوسف التركماني عام 1948 في حي القلعة بمدينة اللاذقية، وهو حي قديم سكانه من المسلمين السنّة والعلويين والمسيحيين والأرمن، يقول عبد الله، “كنا نعيش في مدينة اللاذقية ما يمكن وصفه بوحدة وطنية عفوية، كان عدد السكان حوالي 100 ألف نسمة فقط، ولذلك كان أغلب الناس يعرفون بعضهم البعض، وفي فترة السبعينات، بدأت الأمور تتغير مع قدوم أبناء الريف وخاصة الريف العلوي، ما ساهم في تغيير التركيبة السكانية مع مرور الوقت”.

يقول عبد الله إن تأثره بالتيارين القومي والماركسي بدأ منذ العام 1959 حين كان في الحادية عشرة من عمره، ففي أحد الأيام، عاد من مدرسته ليجد والدته ترقص فرحاً وتردد جملة “الله الناصر ينصر ناصر” وذلك بسبب إقرار قانون الضمان الاجتماعي للعاملين من قبل جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة آنذاك.

يقول عبد الله، “وفي حادثة أخرى أواخر العام ذاته، جرت اعتقالات في صفوف الشيوعيين من قبل النظام الوحدوي، وكان لدينا جار شيوعي يدعى جابر، فجاء الأمن أو ما كان يسمى حينها المكتب الثاني ليعتقل جابر، فساعده أطفال الحي على الهرب عبر أسطح البيوت المتلاصقة، فاستطاع التملص من الأمن وهرب الى مدينة بيروت فيما بعد، أثر هاذان الحادثان بشكل كبير في وعيي وحتى إنهما شكّلا مقدمة لأطروحتي الجامعية لاحقاً”.

يقول عبدلله إن الانقسام بين أبناء المجتمع في اللاذقية كان في السابق سياسياً أو فكرياً، ثم بدأ يأخذ طابعاً طائفياً منذ فترة السبعينات، حيث بات من الواضح  أن أغلب رجال الأمن من الطائفة العلوية، كما ظهرت أحياء خاصة تضم أبناء الطائفة العلوية في المدينة التي بدأ سكانها الأصليون السنة والمسيحيون يشعرون “بترييف” المدينة، وكان الامتعاض واضحاً بشكل أكبر لدى السنة في المنطقة.

سيطر حزب البعث على السلطة في سوريا عام 1963، وكان عبدلله آنذاك محباً للماركسيين والاشتراكيين والوحدويين القوميين، وفي العام 1964 انتسب الى حزب البعث لما عُرف عنه من شعارات تدعو الى الوحدة والحرية والاشتراكية، وفي العام 1965 صار عبدلله سكرتيراً لاتحاد الطلبة في محافظة اللاذقية، وكوّن علاقات وصداقات واسعة مع أطياف عدة في المنطقة، يقول في ذلك، “بدأتُ منذ أواخر الستينات بالميل نحو النزعة اليسارية أكثر من القومية، حيث تأثرتُ بكتابات ياسين الحافظ والفيلسوف الياس مرقص وتعرفت على بعض الشباب الأكبر مني سناً والذين كانوا من رواد مرقص، الى أن انسحبتُ من حزب البعث نهائياً بعد المؤتمر القطري الاستثنائي الذي عقد عام 1968 لمحاسبة القيادة العسكرية المسؤولة عن الهزيمة في نكسة حزيران، والذي لم يتمخض عنه أية نتائج قوية، فتأكدتُ حينها بأن حزب البعث ليس يسارياً”.

انتسب عبد الله الى الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ذات التوجه اليساري، واعتُقل في العام 1970 لمدة شهرين ونصف على خلفية مشاركته في تأبين أحد كوادر الجبهة في مدينة جسر الشغور، حيث تم أثناء التأبين إلقاء بعض الخطابات المنددة بهزيمة 1967 والمطالبة بمحاسبة المسؤولين عنها، وما كان من الجهات الأمنية إلا محاصرة المكان واعتقال بعض الناشطين.

توجه عبد الله في ذات العام الى جامعة دمشق للدراسة في كلية الرياضياء والفيزياء، مستكملاً نشاطه الطلابي والسياسي اليساري الرافض لتسلم حافظ الأسد زمام السلطة، الأمر الذي فرض عليه رقابة ومضايقات من قبل الجهات الأمنية، يقول في ذلك، “في العام 1971، تم اعتقالي للمرة الثانية ولمدة شهرين تقريباً، وأطلق سراحي بعد بعض التدخلات والوساطات، حينها نصحني بعض الأصدقاء والأهل بتخفيف نشاطاتي والالتفات الى مستقبلي ودراستي، وعلى هذا النحو، سافرتُ الى الجزائر بمساعدة أحد الأصدقاء وبقيت لنحو عام واحد تقريباً ثم عدت الى سوريا وبقيت حتى عام 1975 ، ثم تزوجتُ وسافرت مرة أخرى الى الجزائر”.

انتسب عبد الله الى حزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي بعد عودته الأولى من الجزائر، وعلى هذا النحو، تابع نشاطاته السياسي وقاد عام 1976 اعتصامات أمام السفارة السورية في الجزائر تندد بدخول الجيش السوري الى لبنان، وأُدرج اسمه بسبب تلك التحركات ضمن قائمة المطلوبين للجهات الأمنية مما منعه من العودة الى سوريا نهائياً.

أكمل عبدالله خلال فترة وجوده في الجزائر دراسته ونال شهادة بكالوريوس في التاريخ ثم تابع دراساته العليا، وفي العام 1987 بدأت سياسة إلغاء عقود العمل للموظفين الأجانب وإعطاء الأولوية للجزائريين، فغادر عبدالله الى قبرص نتيجة علاقاته بفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، حيث عمل كمدير قسم الدراسات في مجلة فلسطينية، ثم انتقل بعد نحوعامين الى بلغراد بسبب انتقال مقر المجلة، وعاش هناك نحو عامين أيضاً قبل أن ينتقل الى تونس ويعمل كباحث في مركز التخطيط الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية.

يقول عبد الله، “دخلتُ تونس عام 1990 وأنا راديكالي التوجه، ولكن بعد أن اطلعتُ على التجربة التونسية وتعمقتُ فيها، تبين لي بأن كل الراديكالية لدى أبناء البعث والشيوعيين كانت مجرد وهم، وبأن الذين كنا نسميهم رجعيين استطاعوا بناء أوطانهم بشكل أفضل من جماعة البعث واليسار وما شابه، والحديث هنا عن الرئيس التونسي الحبيب بو رقيبة الذي كنت أعتبره رجلاً رجعياً، وبالخلاصة شكلت لي فترة وجودي الطويلة في تونس حتى العام 2012 تجربة غنية وصرت أكثر نضجاً على المستوى الفكري والسياسي”.

في رصيد عبدالله ثمانية كتب منشورة حول الأحزاب الشيوعية في المشرق، والمسألة القومية وقضايا الصراع العربي الاسرائيلي، وقضايا التنمية وحقوق الانسان في العالم العربي وغيرها من المواضيع الهامة.


سُجلت هذه المقابلة
في تركيا

المواضيع ذات الصلة بهذه القصة:


أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: