سنا يازجي

"كانت الفترة بين عامي 2001 و 2011 كارثية وهدفها أن تسحب الدولة يدها من دعم المواطنين تحت غطاء الانفتاح".

درست سنا يازجي الفنون الجميلة في جامعة دمشق وتخرجت عام 1993بعد سلسلة مشاكل وضغوطات تعرضت لها خلال تلك المرحلة بسبب شخصيتها المتمردة وصدامها الدائم مع اتحاد الطلبة.

تقول سنا، “كنت سعيدة في سنوات الجامعة رغم التوتر الذي كنا نتعرض له نتيجة ثقافة الخوف والمنع وانتشار الواسطة منذ لحظة القبول الجامعي وحتى النجاح في المواد، فضلاً عن ضعف كفاءة الكادر التدريسي والفساد في المنح والبعثات الجامعية”.

وتتابع القول، “كان لدي أصدقاء موهوبين ولكنهم لم يُقبلوا في كلية الفنون لأنهم ليس لديهم واسطة، في حين تعرفت على زملاء معنا لا يملكون أية موهبة”.

عملت سنا بعد التخرج في القطاع الخاص ثم تزوجت وسافرت مع زوجها الى عدة بلدان منها نيجيريا وأندونيسيا وفرنسا التي أقامت بها نحو سبع سنوات.

تقول سنا إن فترة إقامتها خارج سوريا بين عامي 1996 و 2005 كانت تجربة مهمة وغنية تعلمت خلالها الكثير، وتعرفت على فنون وثقافات جديدة، ولكنها تعتبر أن إقامتها في فرنسا كانت المحطة الأهم، حيث عملت على تقوية نفسها من الناحية التقنية من خلال تعلم برامج الكومبيوتر، كما مارست العمل الحر واستطاعت أن تساهم في وضع “الماكيت” الأساسي لجريدة “اللوموند ديبلوماتيك” التي تصدر باللغة العربية.

مع كل زيارة تقوم بها الى سوريا، كانت سنا تشعر بخليط من مشاعر الظلم والقهر لما يعانيه الشعب السوري مقارنة بالشعوب الأخرى، ما أدى الى شعورها بخلل في علاقتها مع وطنها، واستمرت على هذا الحال حتى اضطرت للعودة إلى سوريا والاستقرار في دمشق لضرورات عمل زوجها.

كانت إعادة التأقلم مع الأجواء في سوريا صعبة جداً، استمرت لأكثر من عام، بسبب استمرار زياراتها إلى فرنسا نظراً لارتباطها بصحيفة اللوموند ديبلوماتيك، لتقرر أخيراً أن تقطع علاقاتها وارتباطاتها في فرنسا لتتفرغ وتتأقلم مع واقعها الجديد، وتؤسس مشروعها الخاص بإصدار دليل “يوميات ثقافية” الذي أطلقته تأثراً بدليل كان يصدر اسبوعياً في فرنسا باسم “باريس كوب” ويحظى بإقبال كبير من الفرنسيين ويؤثر في ثقافتهم.

واجهت سنا صعوبات في إصدار الدليل تتعلق بالموافقات الأمنية وتراخيص العمل من الوزارات والجهات المختصة، علماً أن المشروع كان يقتصر على جمع الأنشطة الثقافية السورية في منصة واحدة متاحة للجمهور، أتمت سنا أخيراً جميع المعاملات الخاصة بالمشروع مع قبولها شرط أن يكتب على غلاف المجلة أنها تصدر بالتعاون مع وزارة الثقافة.

تقول سنا، “في سوريا، لن تستطيع النجاح إذا لم تدخل في شراكات مع المسؤولين، وخصوصاً لما يحمله المشروع بطابعه الثقافي من بريستيج يؤثر إيجاباً في تلميع صورتهم وسمعتهم في المجتمع، لم أدخل في شراكات من هذا النوع، بل اعتمدت على منح عقود إعلانية سنوية لتغطية تكاليف الإصدار مثل الطباعة ورواتب الموظفين وما الى ذلك”.

استمرت سنا بالعمل لنحو خمس سنوات، وتصف ذلك بالنجاح الكبير الذي حققته كمواطنة سورية على الصعيدين الثقافي والاجتماعي، حيث استطاعت خلال عملها مراقبة الوضع العام في الشارع السوري ولاحظت الانفصال التام للمواطن العادي عن الحركة الثقافية في المجتمع وكمية المظالم التي يتعرض لها خلال مسيرة حياته.

تصف سنا حالة الانفتاح التي بدأت مع استلام الرئيس بشار الأسد لسدة الحكم بأنها كانت عبارة عن تسويق ومجرد حالة ظاهرية ومحدودة ومدروسة لم تغيّر من ظروف حياة المواطن العادي، وترى أن تلك الفترة الممتدة بين عامي 2001 و 2011 كانت كارثية وهدفها أن تسحب الدولة يدها من دعم المواطنين تحت غطاء الانفتاح.

تقول، “أفرز الانفتاح أمراضاً مجتمعية، مثل اشتراط بعض الصالات والمعارض الفنية على الزوار الحضور بلباس معين، ما دفع عامة الشعب للابتعاد عن هذه الأماكن وبالتالي عن الفن عموماً، فضلاً عن ظهور بعض المناسبات الاجتماعية مثل حفلات العشاء الخيري التي يعود ريعها لإحدى الجمعيات والتي كانت تنظم برعاية ولصالح أبناء المسؤولين، ما أدى الى انفصال تام بين طبقات المجتمع، وكما الفن كانت الحركة النقدية مقيدة واقتصر النقد على الأشخاص والابتعاد عن المؤسسات القائمة على النشاطات ودون التطرق للمعايير الناظمة”.

تعاونت المؤسسات الثقافية الحكومية مع دليل “يوميات ثقافية” وحرصت أن تكون حاضرة في جداوله، وكان للدليل أثراً تحفيزياً على زيادة أنشطة تلك الجهات (التي كانت شبه معدومة) بالرغم من وجود 425 مركزاً ثقافياً على امتداد سوريا، كما حظي الدليل بتعاون من قبل الجهات الخاصة وإقبال من فئة الشباب المترددين على المراكز الثقافية الأجنبية والتي كان الدليل يوزع فيهاً مجاناً، غير أن قصر مدة نشاطه حال دون إحداث تغيير يذكر في المجتمع.

تزامنت فترة عمل سنا مع إطلاق احتفالية “دمشق عاصمة الثقافة” عام 2008 والتي تصفها بأنها كانت حالة ظاهرية لم تنعكس على المواطنين الذين لم يفهموا معناها بالأساس، بل كانت مجرد مهرجان كبير لا يمتّ للثقافة السورية بصلة.

تقول سنا، “كثير ممن تقدموا بمشارعيهم للمشاركة في الاحتفالية ظُلموا وتم رفض طلباتهم رغم أنها كانت تحمل أفكاراً مهمة، كانت تجربتي بالتعاون معهم سيئة جداً وكان القائمون على المهرجان يتعاملون بشكل فوقي وسلطوي، يمكن القول إن الهامش الضيق الذي فتح خلال العشر سنوات ابتداءً من 2001 يشبه الهامش الذي أتاحته الاحتفالية للمبدعين السوريين”.

تتابع القول، “شعبنا يتمتع بطاقات هائلة رغم قمعه طوال خمسين عاماً، فبمجرد أن يتاح له المجال، تتفجر طاقاته وتظهر ابداعاته على مختلف الأصعدة”.


سُجلت هذه المقابلة
في

المواضيع ذات الصلة بهذه القصة:


أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: