سمير نشّار

"تصوّرتُ أنّ بوسعي تحريك الوضع الراكد في حلب، وطرح فكرة العودة الى الحوار بين السوريين، بعد انقطاع دام نحو 30 عاماً".

ولد سمير نشّار عام 1945 في مدينة حلب، وتأثر كمعظم أبناء جيله بالأفكار الرومنسية الاشتراكية التي سادت في ستينات القرن الماضي كما يقول.

انتسب سمير الى حركة الاشتراكيين العرب خلال دراسته في كلية التجارة بجامعة حلب، والتي تخرج منها عام 1969، ثم رغب أن يعمل أستاذاً جامعياَ، وعلى هذا النحو، سافر الى مصر لمتابعة دراسته العليا في جامعة القاهرة، ولكنه عاد بعد عام واحد بسبب تعرض والده لأزمة مالية حالت دون قدرته على تغطية مصاريفه الدراسية.

اعتزل سمير النشاط السياسي على إثر انشقاق حركة الاشتراكيين العرب الى جناحين، أحدهما موال لحافظ الأسد وانخرط ضمن أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وآخر معارض له بات ضعيفاً ولم يقوى على الصمود في وجه النظام.

توظف سمير في القطاع العام لنحو أربع سنوات، ثم استقال واتجه نحو العمل في القطاع الخاص، يقول في ذلك، “كنت أتعرض لضغوط في العمل كوني غير منتسب الى صفوف حزب البعث، حيث كان هناك توجه عام لمنح البعثيين المواقع القيادية في العمل، وعلى هذا النحو، أجبروني على الاستقالة من موقعي القيادي في المؤسسة تحت ضغوط أمنية”.

فكّر سمير بالعمل في السعودية بعد تلقيه عرضاً جيداً، ولكن صديقه أقنعه بالعمل معه في شركته التجارية الناشئة في مجال التجهيزات الصناعية والزراعية، فعمل سمير معه بصفة مدير تنفيذي، واستمر في العمل 25 عاماً.

يقول سمير، “تطورت الشركة مع مرور الوقت الى حد كبير من حيث حجم الأعمال، وتطورت أفكاري أيضاً التي كانت تحمل المبادىء الاشتراكية حتى صرت ليبيرالياً، متأثراُ بالعمل التجاري الحر والمنافسة ومفهوم السوق والعرض والطلب وما الى ذلك، وبخاصة بعد تجربتي المخيبة للآمال بالعمل في القطاع العام، حيث لمست تبايناً كبيراً بين حجم الإخلاص في العمل ما بين العاملين في القطاع العام والخاص، ففي الأخير حصلتُ على أكبر حجم من عمل الموظفين لدينا، وفي المقابل حاولنا أن نعطيهم المحفزات المادية التي تتناسب مع جهودهم المبذولة، وهذا ما لا يتوفر في القطاع العام”.

يتحدث سمير عن الواقع التجاري والصناعي في مدينة حلب، “حلب مدينة عريقة ولطالما كانت عبر تاريخها عاصمة اقتصادية للمنطقة، لعبت القضية الفلسطينية أو حرب فلسطين والأحداث التالية في العامين 1956 و 1967 دوراً أساسياً في هجرة أغلب يهود حلب خارج سوريا، والذين كانوا يشكلون عنصراً ديناميكياً وحيوياً في المجال الاقتصادي، وبالنسبة لمسيحيي حلب فكان لديهم علاقات تجارية قوية مع أوربا شكلت جسر تواصل ما بين دول أوربا والمنطقة، لكن القرارات الاشتراكية وقوانين التأميم التي بدأت منذ أيام الرئيس جمال عبد الناصر، دفعت مجموعة مهمة من التجار ورجال الأعمال المسيحيين وحتى المسلمين للهجرة، حيث توجه أغلبهم الى لبنان، ورغم كل ماسبق، بقيت حلب المدينة الاقتصادية الأولى في سوريا”.

كانت أغلب قرارات الدولة في المجال الاقتصادي تتصف بالبيروقراطية، وكان كل من يعمل في التجارة والصناعة يحاول الالتفاف عليها من خلال آليات الفساد في كثير من الحالات، وعن طريق موظفي الدولة الذين عانوا من ظروف معيشية صعبة، يقول سمير، “في جميع الدول البيروقراطية والتي تتحكم فيها آليات استبدادية، يكون الفساد عاملاً أساسياً ومهماً في تسيير الأعمال، حيث يضطر له الكثيرون لمتابعة أعمالهم، وبالتالي هناك دائماً نشاط اقتصادي بعيد عن الإجراءات الحكومية”.

بعد نحو 25 عاماً من العمل في القطاع التجاري، وفي مطلع العام 2000 بعد أن ألقى بشار الأسد خطابه في مجلس الشعب حول ضرورة الديمقراطية، توهم سمير أنه تم فتح نافذة حقيقية للتغيير التدريجي الديمقراطي والذي ربما يؤدي الى انفتاحات على كافة الأصعدة، يقول، “أطلق بشار الأسد بداية عهده سراح المعتقلين، وسمح بحرية التعبير ضمن حدود معينة، وانتشرت ظاهرة المنتديات السياسية، ونشأ نوع من الحراك المدني العفوي لدى طبقات ونخب سياسية وثقافية تشكلت منه ظاهرة ربيع دمشق، تصورتُ حينها أنّ بوسعي تحريك الوضع الراكد في حلب، وطرح فكرة العودة الى الحوار ما بين السوريين بعد انقطاع دام نحو 30 عاماً”.

من خلال تفاعله واتصالاته ببعض الشخصيات، قرر سمير أن يؤسس منتدى سياسياً في مدينة حلب، فحول مكتبه التجاري الى مقر للمنتدى الذي سمي “منتدى عبد الرحمن الكواكبي للحوار الديمقراطي”، واستمر نشاطه حتى عام 2003، يقول في ذلك، “كنت أستضيف يومياً شخصيات ثقافية وسياسية من كافة أنحاء سوريا لإلقاء محاضرات في قضايا متنوعة مثل الفساد والحريات والحوار بين القوميات والأديان”.

تعرض سمير لمضايقات وضغوطات أمنية لإغلاق المكتب، وفي نهاية المطاف تم اعتقاله في ربيع عام 2003 وأحيل مع عدد من الشخصيات الى محاكمة أثارت حينها ضجة كبيرة في سوريا، حيث تطوع أكثر من 250 محامياً من مختلف المحافظات السورية للدفاع عن الموقوفين الذين اعتقلوا في مكتب سمير، وحضر جلسات المحاكمات مندوبون عن جميع السفارات الأجنبية في سوريا، إضافة لنشطاء ومثقفين وطلاب جامعيين أتوا من كافة المحافظات، ما شكل حالة من الحراك على مستوى مدينة حلب.

أطلق سراح سمير، وتابع نشاطاته بعد أن كسب دعوة قانونية بفتح المكتب وإلغاء الشمع الأحمر، ولكنه مُنع من التجمعات والعمل تحت مسمى المنتدى السابق الذي كان يجمع نشطاء يصل عددهم الى 100 شخص أحياناً.

وفي العام 2005 شارك سمير في التوقيع على إعلان دمشق الذي طالب بالتغيير الديمقراطي التدريجي وإلغاء الأحكام العرفية ومطالب أخرى، يقول، “كان النظام مرتبكاً في أي مسار يسير، مع الانفتاح أم مع الإبقاء على حالة الجمود، حتى حسم أمره بأن يبقى كل شيء على ماهو عليه، وبعد مؤتمر إعلان دمشق الذي عقد في منزل رياض سيف عام 2007، والذي جمع أكثر من 160 شخصية من النخب المعارضة، صُدمت الأجهزة الأمنية التي غابت عن مسرح حدث بهذا الحجم، ما دفعها للقيام بحملة اعتقالات شملت 10 من أبرز المعارضين”.

تابع سمير نشاطاته وشكل حركة الوطنيين الأحرار ثم حاول التوافق مع شخصيات من أبناء العائلات المعروفة والميسورة في مدينة حلب، في سبيل تأسيس تيار واسع يلعب دوراً نهضوياً لطبقة أبناء المدن، ويهدف الى إعادة إحياء دور تلك الطبقة التي تم تهميشها أثناء حكم حافظ الأسد، ولكن تم الضغط على تلك الشخصيات أمنياً للابتعاد عن سمير، ما أدى الى تجميد فكرة تشكيل وانطلاق التيار.


سُجلت هذه المقابلة
في تركيا

المواضيع ذات الصلة بهذه القصة:


أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: