ريم سيف الدين

"النجاح ليس محصوراً في الدراسة ونيل الشهادات، بل هو أن يتقن الإنسان أيّ عمل يقوم به ويحاول أن يتفوق على الآخرين".

 

نشأت ريم سيف الدين في أسرة متوسطة الدخل تقطن قرية جوسيه بمحافظة حمص، كانت متفوقة دراسياً منذ المرحلة الابتدائية، ونتيجة لذلك تم اختيارها لتكون من بين “رواد الطلائع” الذين يمثلون المدرسة. والرواد هم مجموعة من الطلاب المميزين الذين يتم انتقائهم من عدة مدارس للمشاركة في أنشطة مدرسية ومسابقات علمية، وذلك تحت رعاية منظمة طلائع البعث التابعة لحزب البعث الحاكم في سوريا. تقول ريم، “أذكر اللحظة التي تم فيها اختياري لأمثّل مدرستي في رواد الطلائع، شعرت بلذة نجاحي الصغير بوقتها، ورأيت الفرحة في عيون أبي وأمي اللذين كانا فخوران بتفوقي”.

كانت ريم أصغر أخواتها البنات الثلاثة قبل ولادة أخيها الأصغر، وكانت حينها تسمع من الأقرباء والمعارف دعواتهم لهم بأن يرزقهم الله بأخ، فبحسب العرف الاجتماعي السائد في المجتمع القروي يجب أن يكون في العائلة شاب يعين والديه وأخواته. أثّر ذلك في نفس ريم وتمنّت لو أنها رجل، وصارت تحاول دائماَ أن تبين لوالدها أنه يمكنه الاعتماد عليها وأنها تستطيع القيام بأعمال الرجال.

تقول ريم، “كان لدى والدي محلاً لبيع الحلويات، وكان فيه بعض العمال الذين يساعدونه، وفي فترة معينة ترك هؤلاء العمال أبي وبقي وحيداً في العمل، فأقنعته بأني أستطيع مساعدته، وبدأت فعلاً بالعمل لفترات متقطعة اسبوعياً وأثبتّ له قدرتي على القيام بأعمال الرجال”.

تابعت ريم المراحل الدراسية بتفوّق حتى وصلت الى امتحان الشهادة الثانوية، وقبل موعد الامتحان بأشهر قليلة طلب منها خالها أن تعمل معه في إدارة محلاته التجارية. كانت عائلة ريم في ذلك الوقت تعاني من صعوبات مادية بسبب توقف والدها عن العمل وكبره في السن، فضلاً عن معاناة والدتها من حالة صحية سيئة. وعلى هذا النحو، وافقت ريم على العمل مع خالها رغم أن أهلها رفضوا ذلك لأنه سيؤثر على مستقبلها الدراسي، وفعلاً توقفت عن متابعة الدراسة بعد مدة قصيرة من العمل، ومع مرور الوقت نجَحَت بإدارة العمل وساهمت في تطويره وفي زيادة الأرباح أيضاً، حتى صار لها اسماً مرموقاً وسط تجار المنطقة.

تحملت ريم مسؤولية العائلة وهي في سن مبكرة، وخصوصاً وضع والدتها الصحي الذي كان يتطلب مصاريف علاج كبيرة. كانت واثقة من قدرتها على النجاح في أي مجال تخوضه وكانت تؤمن أنها تستطيع إثبات نفسها كفتاة في مجتمع يتصف بالذكورية. تقول، “النجاح ليس محصوراً في مجال الدراسة ونيل الشهادات، بل هو أن يتقن الإنسان أي عمل يقوم به ويحاول أن يتفوق على الآخرين”.

رفضت ريم عدة عروض زواج كي لا تنشغل عن دعم عائلتها وإخوتها، فرغم أنها لم تكن الأكبر بينهم، كانت دائمة التفكير بمستقبلهم على حساب حياتها الشخصية، وكانت تشكل سنداً لهم في كل المواقف والظروف الصعبة.

تذكر ريم حادثة وفاة والدها إثر جلطة في القلب، “شكلتْ وفاة والدي صدمة لكل أفراد العائلة، كنت حينها برفقة أمي وأخي وكان أبي على مايرام، وفجأة أُصيب بالجلطة وتوفي وهو بين يدي، لم يتحمل أخي ذلك الموقف وأصيب أيضاً بجلطة دماغية أدت الى شلل في يده ورجله، في ذلك الوقت كان يجب علي أن أكون قوية ومتماسكة وأن أعطي القوة لأمي وبقية اخوتي”.

لم تندم ريم على عدم زواجها، لكنها في نفس الوقت تحن أحياناً الى شعور الأمومة وتتمنى لو أنّ لديها ولد، ورغم أن كثيراً من صديقاتها تابعن دراستهن ودخلن الجامعات والمعاهد، لم تندم أيضاً على عدم متابعة دراستها، تقول في ذلك، “أجبرتني الظروف وقتها على ترك المدرسة، كنت متفوقة وأحب متابعة الدراسة لكنّي لست نادمة، فقد نجحتُ في المجال الذي اخترته واستطعت إعالة عائلتي وتوفير الحياة الكريمة التي تستحقها”.


سُجلت هذه المقابلة
في لبنان

المواضيع ذات الصلة بهذه القصة:


أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: