خيرو حمود القاسم

"في منطقة تتبع النظام العشائري، ُيلزم الشاب بالزواج من ابنة عمه لاعتبارات عديدة، كالعادات وكبر العشيرة والانتماء لها".

تعلّمَ خيرو حمود القاسم أصول الزراعة من والده وشقيقه الأكبر، وبدأ العمل في الأرض في الثامنة من عمره.

وعندما أصبح في عمر الدراسة جمع بين دراسته ومساعدته لعائلته، حاله كحال بقية إخوته الذين كانوا يعملون في الأرض سوياً.

كانت عائلة خيرو تعتمد على زراعة مواسم الخضار الشتوية مثل السلق والسبانخ والفجل نظراً لانخفاض تكاليفها وارتفاع نسبة أرباحها.

يتذكر خيرو أجواء الزراعة في فصل الشتاء والعمل تحت المطر حين كانوا يجهزون المحاصيل يوم الأحد للنزول بها إلى البازار يوم الاثنين، ولكنه كان يعطي الأولوية للدراسة، فيعمل في أيام العطل وبعد انتهاء الدوام المدرسي دون أن يشعر بالتعب معتبراً ساعات عمله فترة للتسلية.

يصف خيرو المنازل في قرية أبو الظهور بمحافظة إدلب أنها كانت بمعظمها مبنية من الطين حيث يندر وجود البيوت الاسمنتية. بنى خيرو لنفسه منزلاً بسيطاً يتألف من ثلاثة غرف، إذ تقتصر البيوت ذات الطوابق على الأثرياء، ويمنع منعاً باتاً الارتفاع في البناء لأكثر من ثلاثة طوابق على الأكثر.

تأثر خيرو بحال والده الذي عانى كثيرا حتى استطاع شراء الأرض، بعد أن عمل طويلاً على عربة لبيع المحروقات في سبيل تأمين لقمة العيش، كما أحزنه سوء وضعهم المعيشي بالمقارنة مع جيرانه وأقاربه ما دفعه للتفكير بتحسين وضع العائلة، ومع بلوغه سن الثانية عشرة رأى خيرو أن يساعد والده من خلال العمل بمجال غير الزراعة، فبدأ العمل في مجال البناء طوال فصل الصيف مع جاره وبأجرة يومية تعادل 75 ليرة، معاوداً العمل في الأرض مع توقف أعمال البناء في الشتاء.

في الصف الأول الاعدادي قرر خيرو ترك الدراسة التي لم يرى مستقبله فيها بسبب قلة رواتب الموظفين التي كانت تبلغ نحو ثلاثة آلاف ليرة شهرياً، حاله كحال إخوته الذين لم يكملوا تعليمهم باستثناء أخين اثنين وصلا للمرحلة الثانوية فحسب، وعلى هذا النحو، تفرغ خيرو للعمل في مهنة البناء، ومع اكتسابه خبرة في العمل بدأ باستلام ورشات خاصة به فأحس بفرق في المردود المادي وبات قادراً على المساهمة في مصروف البيت، واستمر بالعمل لحين ذهب لأداء الخدمة العسكرية الالزامية في العام 1991، وبعد إنهائه للخدمة انتقل للعمل في لبنان بسبب قلة الفرص في المنطقة واستمر لمدة سنة ونصف استطاع خلالها توفير مبلغ ساعده في إكمال بناء منزله وأصبح قادراً على الزواج، فتوجه مع والده لخطبة ابنة عمه.

 

يقول خيرو، “في منطقة تتبع النظام العشائري، ُيلزم الشاب بالزواج من ابنة عمه لاعتبارات عديدة، مثل كبر العشيرة والانتماء لها ووحدة العادات ومعرفة تاريخ وسمعة أفرادها، ولكن أُعطي الشبان مؤخرا حرية اختيار الزوجة من خارج نطاق العائلة”.

في بداية زواجه سكن خيرو في منزل أبيه لحين ولادة ابنته الكبرى، ثم استقل في منزل مجاور لبيوت وأراضي إخوته الذين عملوا في أراضي والدهم ولكن كل لحسابه الخاص، من خلال زراعة القطن والشعير والقمح، كما انتقل بعض إخوته للعمل في البناء تزامناً مع افتتاح أحد المشاريع في منطقة أبو الظهور تاركين العمل بالأرض، أما خيرو فظل يوازن بين عمله بالزراعة والبناء.

 

رُزق خيرو بخمسة أولاد وتجنب تعدد الزوجات رغم أنه كان أمراً مستحباً في مجتمعه، وخاصة الجيل القديم الذي كان يرى فيه وسيلة لإكثار عدد الأولاد الذين يعتبرون عزوة للعائلة والعشيرة، لكنه فضل ألا يعيش أولاده نفس معاناته من تمييز بينه وبين إخوته من زوجة أبيه.

يتحدث خيرو عن بعض العادات والتقاليد السائدة في منطقته، ففي المناسبات والأفراح يتشارك الجيران بتقديم الهدايا من الذبائح والخضار وغيرها، وفي حال نشوب خلاف بين أبناء المنطقة يكفي أن يتوجه المتخاصمون الى مضافة كبار العشيرة ليتم حل الخلاف بطريقة ودية، ولكن مع اختلاف نمط التربية ظهر جيل جديد يصفه خيرو بأنه “مشكلجي”، أدى ذلك لضعف الروابط بين الأهالي تجنباً لحدوث المشاكل التي تؤدي في بعض الحالات الى وقوع قتلى بين العشيرتين المتشاجرتين، وفي المقابل ظهرت طبقة من المثقفين من أطباء ومهندسين ومحامين نتيجة زيادة الوعي والتقليل من عدد الأولاد وتحسن الإمكانيات المادية.

يقول خيرو، “شعب ادلب مسالم يحب الخير للآخرين ويحب العمل ويلتزم به، لم أعرف بوجود الطوائف المختلفة إلا عندما سافرت الى لبنان، في سوريا كنا نعيش جميعاً بأخوّة ومحبة”.


سُجلت هذه المقابلة
في



أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: