حسن النيفي

"كانت عيناي تفتشان في زوايا المنزل على وجه أمي الذي لم يفارقني طوال سنوات الاعتقال، حتى أخبروني بأنها توفيت".

نشأ حسن النيفي في أسرة ريفية بسيطة تقطن مدينة منبج في ريف حلب، وهي مدينة تجمع بين الطابع البدوي والحضري، حيث جاء قسم كبير من سكانها من المدن الكبرى، فيما توافد إليها آخرون من الأرياف، ما شكل مزيجاً اجتماعياً من العادات البدوية والحضرية.

كان حسن شغوفاً بالشعر والأدب العربي منذ صغره، واستطاع تحقيق حلمه بدراسة اللغة العربية في جامعة حلب عام 1983، وأصدر أول ديوان شعري بعنوان “هواجس وأشواق” وهو طالب في السنة الثالثة عام 1985.

انخرط حسن أيضاً في النشاط السياسي والثقافي في الجامعة، يقول في ذلك، “نحن جيل تفتّح وعيُنا على مرحلة خطيرة جداً من تاريخ سوريا، وهي مرحلة الثمانينات التي شهدت موجة من العنف والمواجهات الدامية بين تنظيم الإخوان المسلمين والسلطة الحاكمة، ولم تقتصر تلك المواجهة على الإخوان، بل تحولت الى حالة من العصيان المدني شاركت فيه كثير من النقابات، حينها رأينا لأول مرة كيف كشّرت السلطة عن أنيابها ومارست أشد أنواع العنف ضد الشعب”.

بعد أن تمكن النظام من سحق الإخوان المسلمين داخل المدن الكبرى وخاصة في حلب وبشكل أقل في دمشق وإدلب، قام بتمشيط جميع المدن السورية وبالترتيب، ففي كل يوم أو يومين كانت القوات تحاصر إحدى المدن وتمشط كل منازلها، يقول حسن، “في شهر آذار من عام 1980، كنت أدرس مع أصدقائي في الحقل حين طوقت الدبابات مدينة منبج ونُصبت الحواجز على الطرقات منذ الصباح، ولحسن حظي كان بيتنا على أطراف المدينة واستطعتُ أن أصل إليه بصعوبة، في ذلك اليوم اعتُقل نحو 100 شخص من أبناء منبج للاشتباه بهم، ثم أُفرج عنهم بعد نحو أسبوع”.

ازدادت مرحلة ما بعد الثمانينات سواداً وغيّرت السلطة طريقة تعاطيها مع المواطن بشكل جذري في ظل تغوّل شديد لعناصر الأمن، كما تمّ إفراغ جميع مؤسسات الدولة من مضمونها الحقيقي حتى بات الجيش والمخابرات يحكمان البلد بشكل فعلي. يقول حسن، “بدأت مرحلة تزاوج بين رأس المال والسلطة والتي وصلت لذروتها في عهد بشار الأسد، حيث ارتبطت مصالح طبقة الأثرياء من التجار والصناعيين بالسلطة الحاكمة”.

في ظل تلك الأوضاع، تشكلت قناعة لدى حسن وكثير من أبناء جيله، بأن النظام الحاكم هو غول يجب مقاومته، وكان السبيل الوحيد لذلك من خلال الانخراط بالتنظيمات السياسية السرية، وعلى هذا النحو، انتسب حسن الى حزب البعث- جناح القيادة القومية الذي كانت قياداته متواجدة في العراق، واستمر في نشاطه المعارض حتى اعتُقل عام 1986 وهو في سنته الجامعية الرابعة، يقول في ذلك، “كنتُ أقيم في السكن الجامعي حين حضر عناصر الأمن لاعتقالي، غيرت ثيابي وهممتُ لارتداء حذائي فلم يسمحوا لي وقالوا أني سأعود خلال 15 دقيقة فحسب، ولكن تلك الدقائق تحولت الى 15 عاماً قضيتها في السجون”.

ويتابع القول، “بدأ التحقيق معي في فرع الأمن السياسي بمنطقة السليمانية، كنا مجرد أرقام بالنسبة لرجال الأمن الذين يمارسون شتى أنواع التعذيب التي لا قدرة للبشر على تحملها، اليوم وبعد مرورعشرات السنين، ما زالت أثار التعذيب موجودة على قدمي اليسرى”.

بعد فترة التحقيق التي استمرت نحو 40 يوماً، نُقل حسن الى سجن حلب المركزي، وقضى فيه خمس سنوات، يعتبرُ أنها كانت سهلة لأن السجن مدني ولا يتعرض معتقلوه الى الضرب والتعذيب.

في عام  1991 صدر عفو رئاسي هو العفو الأول من نوعه الذي شمل معتقلين سياسيين خلال فترة حكم حافظ الأسد، يقول حسن، “كان العفو عبارة عن مساومات حيث يقدم فرع الأمن وثيقة للسجين تتضمن شروطاً ثلاثة ويجب عليه أن يوافق ويوقع عليها حتى يتم الإفراج عنه، وهي أن يعلن انسحابه من حزبه وندمه وإدانته لأفعاله السابقة وتاريخه السياسي، وأن يبدي استعداده للتعاون مع الأفرع الأمنية وتقديم كل المعلومات لها، وعلى هذا النحو، رفضتُ مع 18 معتقلاً آخر التوقيع على الوثيقة وبالتالي لم يتم الإفراج عنا”.

نُقل حسن مع رفاقه الثمانية عشر الى سجن عدرا في ريف دمشق، وتم تحويلهم الى محكمة أمن الدولة، واستمرت جلسات المحاكمات لمدة عامين تقريباً، يقول في ذلك، “مكثتُ في سجن عدرا نحو أربع سنوات سمّيناها المرحلة الذهبية، حيث سُمح لنا باستقبال الزوار كل 15 يوماً، كما سمح لنا بقراءة الكتب والاستماع الى الراديو، استثمرتُ تلك الفترة بشكل جيد من خلال القراءة الممنهجة التي فتحت أمامي آفاقاً معرفية واسعة في الفكر والتاريخ والأدب والفلسفة وغيرها”.

ويتابع القول، “في العام 1994 صدر بحقي حكمين، 15 عاماً و 8 سنوات، دُمجت العقوبتان وتم تطبيق الحكم الأشد بينهما، وفي أواخر عام 1995 تمت مساومتنا من قبل ثلاثة ضباط كبار للتوقيع على وثيقة أمنية ليتم الإفراج عنا، فوافق قسم من السجناء على التوقيع فيما رفض آخرون، وذلك بحسب الظروف الشخصية والصحية لكل منهم”.

كان حسن من بين الممتنعين عن التوقيع، فتم نقله مع رفاقه بعد شهر الى سجن تدمر العسكري، كانوا 8 سجناء من  حزب بعث العراق، و22 من الشيوعيين، يقول، “أمضيتُ السنوات الست الأخيرة في سجن تدمر، وكانت تلك التغريبة الأشد صعوبة في تاريخ اعتقالي، فالقسوة والتعذيب فيه يفوقان طاقة البشر، ولا يتخيل الإنسان أن بوسعه مقاومة وتحمل كل ذلك، لقد تعرضنا للتعذيب والضرب اليومي حتى وصلنا لمرحلة من الانهيار النفسي والمعنوي، في ظل ظروف صعبة حتى أثناء النوم، حيث كنا ننام على الأرض بشكل إجباري عند السادسة مساءً، ونعاني من البرد الشديد والجوع بسبب قلة الطعام”.

كان حسن ينظم الشعر في ذهنه ويحفظه دون تدوين، واستطاع بعد إطلاق سراحه أن يُصدر ديواناً شعرياً باسم “رماد السنين” هو حصيلة نتاجه الشعري خلال سنوات السجن.

في أواخر شهر حزيران من عام 2001، كان بشار الأسد تولى السلطة حديثاً في البلاد، فأصدر أمراً بإخلاء سجن تدمر وسجن المزة العسكري ونقل المعتقلين الى سجن صيدنايا بريف دمشق، كان حسن ضمن الدفعة الأخيرة التي توجهت الى سجن صيدنايا بتاريخ 11 آب، وقضى فيه آخر ثلاثة أشهر من مدة اعتقاله، يَعتبر أنها كانت فترة نقاهة قبل الإفراج عنه نظراً لطبيعة السجن والمعاملة الجيدة مقارنة بتجربته السابقة في تدمر.

يقول حسن، “وصلتُ الى مدينة منبج حوالي الساعة السادسة صباحاً، وكان السؤال الملح في ذهني طوال الطريق من دمشق الى حلب إن كانت أمي ما تزال على قيد الحياة، استقبلني أخي وأبناؤه وبناته، وفي أثناء تعرفي على عائلته كنت أتنقل بين الغرف وعيناي تفتشان في زوايا المنزل على وجه أمي الذي لم يفارقني طوال سنوات الاعتقال، حتى أخبروني بأنها توفيت”.

ويتابع القول، “خلال ساعة فقط، حضر الجيران والأقارب لتقديم التهاني والتبريكات، كان عليّ أن أجامل الناس وأسلم عليهم، وفي قلبي بركان تفجر بعد علمي بوفاة أمي، فاعتذرت من الضيوف متذرعاً بحاجتي الى الاستحمام وأخذ قسط من الراحة، ولكن الحقيقة أني دخلت الحمام لأبكي بكاءً شديداً لم أختبره طوال 15 عاماً من السجن رغم القهر والتعذيب الجسدي والنفسي الذي تعرضنا له هناك”.


سُجلت هذه المقابلة
في تركيا

المواضيع ذات الصلة بهذه القصة:


أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: