جورج

"كان واضحاً بالنسبة لي أن الخطاب المسيحي الشرقي الرسمي وشبه الرسمي كان خطاباً زائفاً فيما يخص العلاقة بالمسلمين".

يتحدث جورج عن العلاقة التي كانت تربطه بجيرانه اليهود في مدينة حلب قائلاً، “لا أذكر كثيراً عن علاقتنا بجيراننا اليهود الذين كانوا يملكون محلات تجارية تحت بيتنا، ولكن بصورة عامة، أذكر أنهم كانوا طيبين ودمثي الأخلاق وكريمين، بعكس الرواية الشعبية التي تنعت اليهود بالبخل”.

ويتابع القول، “قليل من أبناء جيلي المسيحيين احتكوا باليهود الموجودين في حلب، إذ كانت العائلات اليهودية في مراحل وجودها الأخيرة في حقبة التسعينات”.

درس جورج في مدرسة خاصة ذات طابع مسيحي كأغلب أبناء العائلات المسيحية في حلب، يقول في ذلك، “كانت مدرستي ذات طابع مسيحي، فيها نفس المناهج المقررة في المدارس الحكومية مع تركيز على اللغة الفرنسية، كان علينا المشاركة بالقداس الأسبوعي والصلاة الصباحية اليومية بشكل اجباري، وكان معنا بعض الطلاب المسلمين الذين يعفون من حصص التربية الدينية والقداس”.

أثرّ اشتراك جورج بأنشطة الكشّاف في تكوين شخصيته وأكسبه خبرة مهمة في الحياة، يقول في ذلك، “أنا أنتمي الى كنيسة الروم الكاثوليك، ودرست في مدرسة للأرمن الكاثوليك، والتحقت بكشّاف طائفة الموارنة التي تعتبر أقلية بين الطوائف المسيحية في المنطقة، ونتيجة احتكاكي بالطوائف الأخرى لمست عدم وجود الطائفية بين مسيحيي حلب وهو الأمر غير الموجود في باقي المناطق السورية أو في المنطقة العربية عموماً”.

بعد إتمامه مرحلة الدراسة الإعدادية، انتقل جورج للدراسة في “الاكليريكية الصغرى” في مدينة دمشق، وهي دار تنشئة رجال الدين في المرحلة الأولى ما دون سن الثامنة عشرة.

يصف جورج تلك التجربة بأنها كانت سيئة جداً، حيث يرى أن الطفل يجب أن يعيش حياته الطبيعية بين عائلته وأصدقائه، كما أن الكهنة المسؤولين عن العدد الكبير من الطلاب المراهقين لم يكونوا مؤهلين للتعامل معهم بشكل علمي ومدروس، ولذلك لم يكمل تلك التجربة وعاد الى حلب بعد عامه الدراسي الأول.

بعد حصوله على الشهادة الثانوية بفرعها الأدبي، انتقل جورج لدراسة الفلسفة واللاهوت في “الاكليريكية الكبرى” في لبنان عام 2000، كان حينها مشروعاً لرجل دين منتدب من أبرشية حلب، أي إنه كان طالباً اكليريكياً تابعاً لمطران حلب للروم الكاثوليك ومن المفترض أن يعود الى المطرانية بعد إتمام الدراسة ليباشر واجباته فيها كرجل دين.

بعد عامين من الدراسة ألغى جورج ارتباطه بالمطران، لأن الأخير لم يكن موفقاً بالصفة الروحية التي حملها كما يقول، وتنقّل لاحقاً بين عدة رهبانيات على مدى سنوات، لكنه قرر أخيراً أن يترك الرهبنة لأسباب عدة، منها بعض السلوكيات غير الأخلاقية لزملائه الذين يفترض بهم أن يصبحوا رجال دين، وبسبب مواقف ومخالفة بعض الكهنة لطبيعة الصفة الروحية التي يحملونها، يقول، “كان واضحاً بالنسبة لي أن الخطاب المسيحي الشرقي الرسمي وشبه الرسمي كان خطاباً زائفاً فيما يخص العلاقة بالمسلمين، فما يقال في العلن مغاير تماماً لما يحكى في الجلسات الخاصة، شكل ذلك مصدر إزعاج كبير لي”.

يحضّر جورج حالياً رسالة ماجستير في العلاقات المسيحية الإسلامية، يقول إنه إذا أراد أن يشرح فحوى الرسالة بلغة مبسطة يمكن أن يسميها “لماذا يكره مسيحيو حلب المسلمين”. يعزو جورج السبب وراء ذلك أن الشخص المسيحي في حلب لم يكن مضطراً للاحتكاك بالمسلم إلا في مواقف وحالات قليلة ومن فئة محددة من المسلمين تقتصر على الطبقة الغنية جداً أو الفقيرة جداً، إذ كان المسيحيّ متقوقعاً في مجتمعه ومحيطه، يضاف الى ذلك ما قام به النظام الحاكم على مدى سنوات طويلة من حملات تخويف للمسيحيين من المسلمين.

يقول جورج، “كان سكان المناطق المسيحية المغلقة في حلب يفضلون عدم بيع منازلهم للمسلمين، ووصل الأمر الى تعرّض الشخص المسيحي الذي يبيع منزله لمسلم للاضطهاد الاجتماعي والنبذ، فضلاً عمّا يتعرّض له الجوار من انخفاض في أسعار منازلهم باعتبار أن بناءهم صار مختلطاً ولم يعد مسيحياً صرفا”.


سُجلت هذه المقابلة
في

المواضيع ذات الصلة بهذه القصة:


أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: