جنان العواد

"ربما يبدأ الإشكال بشجار بين طفلين، ويتحول الى حلقة مفرغة من الجرائم تمتد لعشرات السنين في بعض الأحيان".

ولدت جنان العواد عام 1958 في مدينة الميادين التابعة لمحافظة دير الزور، وهي مدينة تقع على ضفاف نهر الفرات وتبعد عن مركز المحافظة نحو 45 كلم، تقول جنان، “أهالي مدينة الميادين أناس بسطاء ومحافظون جداً، تسود بينهم العلاقات الاجتماعية المتينة ويتعاونون في الأفراح والأحزان وكل المناسبات”.

يتسم مجتمع الميادين بالذكورية، فعلى سبيل المثال، يجب على المرأة بحسب العادات أن تخدم زوجها على أكمل وجه كما تقول جنان، وفي حال شب خلاف بينهما وذهبت الى بيت أهلها، يقومون بإرجاعها الى بيت صهرهم مع تطييب خاطره حتى إن كان هو المخطىء، ولا يتم الطلاق إلا في حالات نادرة، حيث ينظر المجتمع الى المرأة المطلقة نظرة سلبية جداً حتى لو كان زوجها سيء الصيت، حيث يجب عليها بحسب العرف أن تتحمل عيوبه وتراعي بيتها وأولادها.

تقول جنان إن أغلب شبان الميادين جامعيون ومثقفون، أما البنات فكن في السابق لا يدرسن سوى المرحلة الابتدائية ويتزوجن في أعمار صغيرة، ولكن هذا تغير منذ سبعينات القرن الماضي، وصارت البنت تدرس في المدارس والجامعات وتعمل في مجالات كثيرة كالتعليم والطب وغيرها.

من العادات الدارجة في الميادين أن يتزوج الشاب ويقيم مع زوجته في بيت أهله، وربما يُزوج أبناءه أيضاً في منزل الجد ذاته، يتكلّف العريس كثيراً بسبب ارتفاع قيمة المهور وكثرة الذهب الذي يقدم للعروس في حفل الزواج.

لا يجوز للشاب الزواج من خارج العائلة، بل عليه الزواج من ابنة عمه أو ابنة خاله أو إحدى بنات العائلة، يتم الاحتفال بالأعراس لمدة خمسة أو سبعة أيام، ويجلب أهل العروس وجبة الغداء من لحم الذبائح والرز إضافة لصابون الغار والسكاكر على عربة كبيرة وذلك برفقة رب العائلة الذي يقدم الهدايا بنفسه لأهل العريس في صبيحة اليوم الأول بعد الزواج.

من العادات السلبية التي تنتشر في مجتمع الميادين، عادة الأخذ بالثأر، تقول جنان، “المشكلة أن الثأر لا يتوقف بمجرد موت القاتل، فربما يبدأ الإشكال بشجار بين طفلين، ويتحول الى حلقة مفرغة من الجرائم تمتد لعشرات السنين أحياناً، لدينا حالات مشابهة ما زالت آثارها حاضرة منذ أكثر من مئة عام، يحدث ذلك رغم حالة التطور وانتشار الوعي في المجتمع، ولكن تلك العادة لم تختفي في ظل المجتمع العشائري وانشار السلاح في البيوت حتى لو كان بندقية صيد على الأقل”.

تمتهن بعض العائلات في الميادين مهنة صيد الأسماك بحكم موقعها على ضفاف نهر الفرات، وكذلك الصيد البري، وثمة أناس يصيدون لمجرد الهواية وليس للمنفعة المادية، وبالنسبة للحالة المادية للسكان، تقول جنان إن أغلبهم يملكون أراض زراعية وبيوتاً، ويندر أن يسكن أحدهم بالإيجار.

تتحدث جنان عن “تكيّة الراعي” التي تتميز بأهمية كبيرة لدى أهالي المنطقة، تقول، “بنى شخص عراقي يدعى أحمد الراوي تكيّتين واحدة في الميادين وأخرى في دير الزور، تعتبر التكية مكاناً مقدساً بالنسبة للأهالي حيث تقام فيها الصلوات والدروس الدينية، مشايخها يتبعون الطرق الصوفية كمعظم السكان الذين يتبركون بالقبور والأولياء، فحين يمرض أحد الأطفال، يأخذه والده  لزيارة التكية حيث يقرأ الشيخ عليه ويكتب له حجاباً، ويقدم المُريد اللحم واللبن والجبن وما الى ذلك، وحتى في حال حدوث مشكلة أو شجار، يجتمع الوجهاء والمتخاصمون في التكية لحلها، ولكن مع مرور السنوات تقلص أتباع المذهب الصوفي بعد انتشار الوعي والتعليم الجامعي بين الشباب”.

ساهم تعليم البنات في الميادين بالتغيير الاجتماعي بشكل إيجابي وخصوصاً من قبل اللواتي درسنَ في محافظات أخرى، تقول جنان، “توجهت الطالبات الى مختلف المحافظات السورية لمتابعة الدراسة الجامعية، وجلبن معهن العلم والثقافة ولعب ذلك دوراً في إغناء المجتمع، صارت الأم تستمع الى ابنتها في كل شيء، وحتى في العادات وتفاصيل ترتيب الأغراض في البيت على سبيل المثال، وعلى هذا النحو، تغيرت العقلية القديمة التي ترفض تعليم البنات، وصار الأب يحض ابنته على العلم ويتباهى بنجاحها وتفوقها، وباتت منطقة الميادين تُصدّر المتفوقات على مستوى محافظة دير الزور”.

حاولت جنان أن تكمل تعليمها بتشجيع من زوجها الراحل الذي كان رجلاً مثقفاً وابن عائلة مرموقة، ولكنها لم تستطع تحقيق ذلك بسبب ظروف الحياة والعائلة، حيث تزوجت في عمر مبكرة 14 عاماً وأنجبت ابنتها البكر في عمر الخامسة عشرة، ولكنها استعاضت عن ذلك بتثقيف نفسها عن طريق القراءة ومتابعة البرامج الثقافية في الراديو والتلفزيون، كما استطاعت تدريس جميع أولادها وبناتها حتى حصلوا على شهادات جامعية في اختصاصات مرموقة.


سُجلت هذه المقابلة
في تركيا



أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: