جميل أضنه لي

"نُقلتُ الى المشفى بعد إصابتي بشظايا قذيفة، وللمفارقة كان الطبيبان المتابعان لحالتي الصحية يهوديان يعملان مع منظمة التحرير الفلسطينية"

نشط جميل أضنه لي سياسياً منذ كان في مرحلة الدراسة الثانوية، وساهم في تأسيس تيار سياسي معارض، واضطر في مرحلة معينة خلال دراسته في كلية الهندسة المدنية بحلب للتخفي بعيداً عن أنظار الجهات الأمنية لنحو عامين، ثم سافر الى لبنان وعمل في صفوف المقاومة الفلسطينية مع الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وغيرهم.

يقول جميل، “في عام 1980 استطعت الوصول الى لبنان بعد تنسيق بين التنظيم الذي كنت أنتمي إليه في سوريا وبين فصائل المقاومة الفلسطينية في لبنان، وبسبب خبرتي الهندسية، عملتُ في الإنشاءات المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأشرفت على حفر الأنفاق بطريقة نوعية، حتى إن التلفزيون الإسرائيلي عرض صوراً لتلك الأنفاق بعد الاجتياح، وعلق على نوعية العمل المتقن في حفرها، عملت أيضاً في بناء محطات احتياطية للوقود، فضلاً عن بناء التحصينات والدشم والمستودعات وما الى ذلك”.

كان جميل يقضي جلّ وقته في موقع عمله وينام فيه أحياناً، وكانت معظم علاقاته الشخصية في لبنان تنحصر بأشخاص من داخل المقاومة أو ضمن الإطار الثوري بغض النظر عن جنسيتهم.

شكلَ الشباب الفلسطينيين اليافعين الشريحة الرئيسية في العمل الفدائي بلبنان، وغالباً ما كان المقاتلون من غير المتعلمين، فضلاً عن قسم كبير من الشباب السوريين واليمنيين، وفي الفترات الأخيرة جاءت أعداد مهمة أيضاً من بنغلادش وكان غالبيتهم ينضمون تحت لواء حركة فتح.

يقول جميل، “كان معظم الشباب السوريون يأتون بدافع شخصي وبعلم وقبول أهاليهم رغم صغر أعمارهم، تقديراً واحتراماً للعمل الفدائي الفلسطيني ضد الاحتلال، كثير منهم كانوا يزورون مدنهم وبلداتهم في سوريا في الإجازات ثم يعودون الى معسكرات المقاومة”.

في تلك المرحلة، تواجدت مجموعة كبيرة من الفصائل والأحزاب الفلسطينية العاملة في لبنان، مثل حركة فتح والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وجبهة التحرير وغيرهم.

يقول جميل، “أسس موسى الصدر حركة المحرومين ثم شكلَ ذراعها العسكري أفواج المقاومة اللبنانية والتي سميت أمل، تم ذلك بدعم من ياسر عرفات وحركة فتح في مجال نقل الخبرات والتنظيم والتدريب وغيره، وبعد نحو عامين، بدأ حزب الله بالتشكل في منطقة بعلبك بالبقاع، حيث جاء تأسيسه بقرار إيراني وليس لبناني، وبدأ الحرس الثوري الإيراني بالتوافد بكميات بكبيرة الى معسكرات في بلدة النبي شيت وغيرها، وصرفت مبالغ ضخمة لتلميع صورته وتوسيع دائرة منتسبيه والجمهور المناصر له”.

أنشأ جميل خلال عمله في صفوف المقاومة ثلاثة معسكرات تدريب، كان المقاومون يأتون إليها من الأراضي المحتلة أو من مناطق لبنانية لتلقي التدريب ثم الانطلاق بالعمليات الفدائية باتجاه الأرض المحتلة.

أصيب جميل نتيجة قذيفة سقطت بالقرب منه فتم إسعافه الى مشفى تابع لمنظمة التحرير، ثم نقل لمواصلة العلاج في مشفى خاص. يقول، “كانت منظمة التحرير تمتلك ثلاثة مستشفيات في بيروت، فضلاً عن إمكانية إرسال المصابين والمرضى الى مستشفيات لبنانية خاصة مع دفع كافة التكاليف، لم تكن المنظمة تعاني من أي حاجة مادية بسبب الدعم المالي من دول الخليج والعراق وليبيا وغيرهم.

ويتابع القول، “في إحدى المرات، نُقلتُ الى المشفى بعد إصابتي بشظايا قذيفة، وللمفارقة كان الطبيبان المتابعان لحالتي الصحية يهوديان، واحد من يهود اليونان، وآخر لبناني الجنسية، وكانا يعملان مع منظمة التحرير الفلسطينية ويرفضون السياسيات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين”.

في العام 1982، اجتاحت اسرائيل الأراضي اللبنانية، كان جميل حينها في منطقة البقاع، وكان بعض رفاقه في بيروت، فحوصروا ثم غادروا الى تونس والجزائر وغيرها، أما هو فاستمر في العمل ببناء المستودعات وتلقي مهمات جديدة الى أن تم اعتقاله عام 1985 من قبل الجهات الأمنية السورية المتواجدة في لبنان، بسبب انتمائه السياسي المعارض، وبعد نحو 20 يوماً من التوقيف تم ترحيله الى سوريا.

يقول جميل، “احتجزنا في فرع التحقيق في سوريا لنحو شهرين، ثم تم تحويلنا الى سجن المزة العسكري حيث مكثت به ثلاث سنوات، ثم نقلت الى سجن صيدنايا الذي أمضيت به نحو 11 عاماً”.

تم الإفراج عن جميل بعد نحو 14 عاماً من السجن، يقول في ذلك، “خرجت من فرع الأمن العسكري في منطقة الجمارك بدمشق، كانت الشوراع مزدحمة بالناس والسيارات، شعرتُ حينها أن فترة السجن كانت مجرد حلم انتهى في تلك اللحظة، ذهبتُ بسيارة الأجرة الى حي ساروجة، حلقت شعري ورتبت أموري، ثم توجهت الى منزل أختي، ناسياً تماماً أني سجين أطلق سراحه منذ ساعات فقط”.

عاد جميل الى بيت أهله في مدينة حمص، وبقي فيه لفترة قبل أن ينتقل الى دمشق ويحاول بدء حياته من جديد، رغم بعض الصعوبات التي واجهته خلال استصدار هوية مدنية جديدة وإسقاط الحرمان من الحقوق المدنية وما الى ذلك، يقول، “نسيت كل حياة السجن وعلاقاته وذكرياته، ورميت كل تلك التجربة وراء ظهري منذ لحظة خروجي من باب فرع الأمن، فأنا لست من النوع الذي يرتبط بالمكان، وحياتي هي اللحظة التي أعيشها فحسب”.

 


سُجلت هذه المقابلة
في تركيا

المواضيع ذات الصلة بهذه القصة:


أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: