جميلة أمين

"تُمنح حرية الفتاة في المجتمع الشركسي من خلال الثقة المتبادلة مع الأهل الذين يؤمنون أنها قادرة على حماية نفسها وتستطيع التمييز بين الخطأ والصواب".

تُقلّب جميلة أمين بدفتر ذكرياتها، وتستحضر الأيام التي كانت تقضيها في منزل جدتها بمحافظة القنيطرة السورية. تقول، “في تلك الأيام فقط كنت استمتع بنمط الحياة الذي أريد، كنت ألتقي بالأقرباء وأحضر حفلات السمر التي يتخللها الرقص الفولكلوري الشركسي بين الصبايا والشباب على أنغام الموسيقى الشركسية، كانت تلك من أجمل الأوقات في حياتي، ولكن أبي لم يكن يوافق أو يعرف أني كنت أحضر تلك المناسبات الاجتماعية”.

جميلة هي البنت الوحيدة لأب ينحدر من مدينة قطنا بريف دمشق وأم شركسية من محافظة القنيطرة، تقول إن والدتها كانت أم عظيمة وقفت معها ودعمتها حتى استطاعت أن تثبت نفسها في الحياة، في حين كان والدها يتصف بالشدة والقسوة على الرغم من محبته لها، وتعزو شدته لكونها بنته الوحيدة ماجعله يبالغ في خوفه عليها ويمنعها من ممارسة حياتها بشكل طبيعي خارج حدود المنزل.

تقول جميلة، “كنت أحلم أن أصبح مضيفة طيران أو مصممة أزياء، كنت أصنع الملابس لألعابي أثناء غياب أبي وأمي في العمل، كانت أصعب لحظة في حياتي عندما فرض والدي عليّ أن أترك المدرسة بعد المرحلة الابتدائية، لذلك لم أستطع تحقيق أي من أحلامي”.

بقيت جميلة بلا دراسة أو عمل لسنوات طويلة، وكان جلّ نشاطها ينحصر بممارسة هوايتها بالمطالعة الى أن بلغت الرابعة والعشرين وتوظفت في مؤسسات الدولة.

تقول جميلة، “كنت وحيدة ومنطوية على نفسي، حتى بدأت العمل وصرت أخالط الناس بشكل أكبر، فكونت صداقات عديدة وباتت شخصيتي أقوى”.

تذكر جميلة الفروقات الاجتماعية بين عائلة والدها المتشددة دينياً وأهل والدتها الشركسية الذين كانوا أكثر تحررا. “فَرضَ والدي عليّ كل المبادئ والقيم التي تربى عليها، من طريقة اللباس وارتداء الحجاب في عمر مبكر الى اجباري على ترك المدرسة وعدم مخالطة الجنس الآخر، في حين لم تفرض أمي أي من تلك الأمور، لأن المجتمع الشركسي يحترم حرية الشاب والفتاة باتخاذ القرار ضمن حدود الأدب والأخلاق”.

تقول جميلة إن حرية الفتاة في المجتمع الشركسي بالدراسة والعمل أو حضور المناسبات الاجتماعية تُمنح من خلال التربية على الثقة المتبادلة مع الأهل الذين يؤمنون أنها تستطيع التمييز الخطأ والصواب وأنها قادرة أن تحمي وتصون نفسها من الوقوع في أي شيء خارج نطاق الأدب.

كانت جميلة في العشرينات من العمر عندما تم الطلاق بين والديها، فانتقلت للعيش مع أمها لسنوات عدة قبل أن تقرر إحضار والدها للعيش معهم مجدداً ولكن في غرفة مستقلة الى أن توفي عام 1985.

تقول جميلة إن عائلة والدها كانت عائلة ثرية تمتلك أراضي في مدينة قطنا وعموم ريف دمشق، وحَرَموا والدها من الميراث بسبب زواجه من أمها الشركسية التي اعتبروها غريبة عنهم، خاصة أنها لم تنجب سوى فتاة وحيدة ما سيؤدي الى ذهاب الورثة في أحد الأيام الى الصهر الغريب عن العائلة.

تعرفت جميلة على شاب فلسطيني سوري عن طريق أحد الزملاء في العمل، وتزوجته بعد شهر واحد من التعارف، استمر الزواج أكثر من عشر سنوات أنجبت خلالها ابنتها فرح ثم تم الانفصال، تعزو جميلة سبب الطلاق لعدم فهم طبيعة الطرف الآخر بشكل كاف قبل الزواج الذي تم سريعاً.

تقول جميلة إنها ربّت ابنتها على الحرية والثقة المتبادلة وإنها لم تحرمها من أي شيء عانت هي شخصياً من حرمانه عندما كانت في عمرها.


سُجلت هذه المقابلة
في



أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: