جبر الشوفي

"لم يمض أسبوع واحد على البيان الختامي للمؤتمر، حتى تم اعتقالي مع 11 ناشطاً من قيادات المؤتمر أو ممن كانوا مؤيدين له".

ولد جبر الشوفي عام 1947 في قرية صما البردان في ريف السويداء، كان جده مختاراً لبلدة صلخد ورحل عنها مع بعض أقاربه نتيجة صراعات وأحداث عنف، متجهين الى قرية صما البردان التي عمّروها بعد أن كانت أساساً قرية أثرية رومانية تضم كثير من الآثار والمنحوتات القديمة.

اكتسب جبر تجربة غنية في حياته نتيجة تنقله بين مناطق ومجتمعات عدة، حيث درس المرحلة الإعدادية في مدينة السويداء، ثم توجه الى مدينة حمص ومكث فيها أربع سنوات خلال دراسته في معهد إعداد المدرسين، ثم تم تعيينه معلماً في محافظة الرقة التي استقر بها نحو 4 سنوات، قبل أن يتوجه لدراسة الأدب العربي في جامعة حلب ويتخرج منها عام  1974.

يقول جبر، “أعتقد أن التجربة الهامة في حياتي كانت أثناء دراستي في مدينة حمص، حيث كانت دار المعلمين تجمع حوالي 1200 طالباً من مختلف المحافظات السورية، أخرجتني تلك التجربة من الطابع المحلي وفتحت عيناي على حقيقة تنوّع المجتمع السوري، وساهمت في تكوين شخصيتي ووعيي”.

بعد تخرجه من معهد إعداد المدرسين في حمص، عمل جبر مدرساً للمرحلة الابتدائية في إحدى قرى محافظة الرقة، حيث كانت المدارس تعاني في تلك الأرياف من ضعف البنى التحتية، و كانت مدرسته عبارة عن غرفة طينية واحدة تجمع ستة صفوف لطلاب من أعمار مختلفة.

درسَ جبر الأدب العربي في جامعة حلب، ثم عمل مدرساً للمرحلة الثانوية في مناطق عدة في حلب، وكان حينها منتمياً الى الحزب الشيوعي، يقول في ذلك، “كان للحزب الشيوعي حضوراً قوياً في بدايات حكم الرئيس حافظ الأسد، ثم بدأ ينقسم بعد أن أخذ الأسد يضعف الأحزاب من خلال تقييد أنشطتها وربط قسم منها بما سمّي الجبهة الوطنية التقدمية عام 1973، وفي حقيقة الأمر أُلحقت تلك الأحزاب فعلياً بحزب البعث العربي الاشتراكي حين وافقت على المادة التي تقول إن حزب البعث هو الحزب القائد للدولة والمجتمع، مما أضعف الحياة الحزبية وخاصة خلال تجربة الثمانينات التي شهدت صراعاً على السلطة مع الطليعة المقاتلة، لقد كانت تلك المرحلة صعبة ومؤسفة ومن نتائجها هيمنة القبضة الأمنية للأسد على البلاد، وإلغاء ما تبقى من النشاط السياسي والعمل النقابي”.

عاش جبر في تلك الفترة حالة قلق، حيث لم يكن يجد نفسه في الجانب الذي يمثله النظام، ومن جانب آخر لم يكن في صف الجماعات التي انتهجت العمل الأمني والعسكري طريقاً لمناهضة الحكم. يقول، “كنا في تلك الفترة نمثل الحالة السورية المستقلة التي تريد للبلاد أن تتطور على جميع الأصعدة، ولذلك لم أكن أرغب بالاصطفاف الذي تشكل حينها بين النظام والطرف المعارض”.

لم تجد الطليعة المقاتلة المنبثقة عن جماعة الإخوان المسلمين حاضنة شعبية كبيرة في المجتمع الحلبي كما يقول جبر، فالمجتمع لم يكن مهيئاً لقبول التشدد الديني الذي تمثله الطليعة المقاتلة رغم قيام حركات احتجاجية ومظاهرات في الشارع الحلبي من قبل فئات غير محسوبة على الإخوان، منها فصيل من الحزب الشيوعي الذي سمى بحزب الشعب الديمقراطي، والذي دفع كثير من أعضائه ثمناً غالياً نتيجة تمردهم على النظام، فسجنوا لسنوات طويلة ومنهم من قضى تحت التعذيب في السجون والمعتقلات.

ترك جبر النشاط السياسي وفك ارتباطه بالحزب الشيوعي، وبدأ يعي الأخطاء التي ترتبت على التجربة الحزبية الاشتراكية وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط المنظومة الاشتراكية أوائل التسعينات، حيث أدرك أن هذه المنظومة التي كان يعتبرها ورفاقه قلعة الاشتراكية في العالم وأمل الفقراء، ماهي إلا منظمة بيروقراطية، وبالتالي كان عليه إعادة النظر بتلك التجربة السياسية ولا سيما تقييم الحالة الديمقراطية. يقول في ذلك، “عندما تركت العمل في الحزب الشيوعي قلت لبعض رفاقي أن الحزب يتحمل مسؤولية تاريخية عن غياب الديمقراطية في المجتمع والحياة السياسية عموماً، وعلينا البدء بمرحلة جديدة في العمل والنشاط الديمقراطي لأنه لا اشتراكية ولاعدالة في ظل غياب الديمقراطية”.

بعد عشرين عاماً قضاها في حلب، عاد جبر الى محافظة السويداء بداية التسعينات، حيث أكمل العمل في التدريس لعام واحد ثم استقال وفي نيته المغادرة خارج سوريا، لكنه وجد نفسه ممنوعاً من الحصول على وثيقة جواز السفر، فانتقل عام 1995 الى لبنان، وعمل معلماً في مدرسة خاصة لنحو سبع سنوات.

عاد جبر الى سوريا وعمل في منظمة مدنية تعنى بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الانسان، وفي العام  2007 تم اعتقاله على خلفية مشاركته سابقاً بما سمي “إعلان دمشق” الذي طرح وثيقة نصت على ضرورة الانتقال السياسي نحو الديمقراطية، وعلى أن نظام الاستبداد يجب أن ينتهي، ولكن الوثيقة لم تنفذ ولم يتم عقد المؤتمر أو ما سمي بالمجلس الوطني لإعلان  دمشق حتى أواخر عام 2007. يقول جبر، “لم يمضي أسبوع واحد على البيان الختامي للمؤتمر والذي تم نشره على  شبكة الانترنت، حتى تم اعتقالي مع 11 ناشطاً من قيادات المؤتمر أو ممن كانوا مؤيدين له”.

استمر اعتقال جبر لمدة سنتين ونصف قضاهم في سجن عدرا بريف دمشق، يقول، “أُودعتُ في جناح مخصص لسجناء القضايا الأخلاقية كالاغتصاب وغيرها، فيما وزّع رفاقي في أقسام تخص جرائم القتل والسرقة وذلك بقصد إهانتنا كسجناء سياسيين”.

أُطلق سراح جبر عام 2010، فعاد الى السويداء وعاد أيضاً الى نشاطه السياسي من خلال زيارات أسبوعية قام بها الى دمشق للاجتماع مع رفاقه في الأمانة العامة لإعلان دمشق، حيث أصدروا بياناً قبيل اندلاع الثورة السورية يحتوي على رسائل وتوصيات الى الشباب السوري بعدم الانجرار الى الاتجاهات الطائفية، وذلك بعد أن تبين لهم أن الثورة قادمة لا محالة خصوصاً بعد أن وصلت أحداث ما سُمي بالربيع العربي الى مصر.


سُجلت هذه المقابلة
في تركيا



أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: