انصاف نصر

"كان عليّ الاختيار بين حياة أعيشها وفق كامل إرادتي وطموحي، وأخرى أعيشها كما رسمها الآخرون لي"

نشأت انصاف نصر في إحدى قرى محافظة السويداء، ولم تكمل دراستها بسبب عدم وجود مدارس للمرحلة الإعدادية في القرية، حيث رفض أبوها أن يرسلها الى مدرسة بعيدة، تقول، “شكل ترك المدرسة الصدمة الأولى في حياتي، خصوصاً أني كنت من المتفوقات في المدرسة وأحلم بمتابعة دراستي، بقيت تلك الرغبة في داخلي نحو خمس سنوات، حتى كبر أخي الأصغر وتقدم الى امتحان الشهادة الإعدادية، حينها قررت أن أشاركه في تقديم الامتحان رغم رفض والدي لذلك، ولكني أصريت هذه المرة على تنفيذ طموحي بمساعدة من أخي الذي كان يدرّسني كل ما يتلقاه في المدرسة، وفعلاً، نجحت في الامتحان وأحرزتُ المركز الثالث على مستوى المحافظة عن فئة الامتحانات الحرة”.

عزز نجاح انصاف في الشهادة الإعدادية رغبتها في مواصلة الدراسة، ولكن بحسب قوانين التعليم، كان عليها انتظار ثلاث سنوات حتى يحق لها التقدم للشهادة الثانوية، فانتظرت ثلاثة أعوام حاولت خلالها تثقيف نفسها وقراءة كتب في مجالات عدة ومنها علم النفس.

نحجت انصاف في امتحان الثانوية العامة- الفرع الأدبي، ونالت معدّلاً يخولها دخول أي فرع جامعي ترغب به، كانت ترغب بدراسة الحقوق، ولكنها انتسبت لكلية علم النفس بعد نصائح من بعض الأصدقاء والمحيطين بها حول عدم جدوى دراسة الحقوق، لأن الناس لا يرغبون عادة باللجوء الى محامية أنثى وتوكيلها بقضايا هامة.

لم تلقى انصاف أي دعم من أبيها لمتابعة الدراسة الجامعية، حيث كان الأخير غير راغب أو مقتنع بجدوى دراستها، وكان يتذرع بعدم قدرته المادية على مساعدتها خلال سنوات الدراسة، ولكنها أصرت على تحقيق رغبتها وأخذت قرضاً طلابياً صغيراً (240 ليرة) لتستطيع بدء مشوارها في الجامعة، وبمساعدة من أخيها الذي تكفل بمساعدتها في المصاريف.

تقول انصاف، “في قريتنا لم يكن المجتمع منغلقاً أو يرفض موضوع دراسة البنات في الجامعة رغم كونه مجتمعاً ذكوريا في العموم، كان الرفض من جهة والدي فقط، حيث تلقيت تشجيعاً من محيطي الذي يحتوي على نسبة كبيرة من المتعلمين والمتعلمات، وهم في غالبيتهم من أحزاب شيوعية”.

لم تكن الدراسة في الجامعة على مستوى توقعات انصاف، إذ تفاجأت بالمنهاج القديم الجاف والخالي من أي ممارسة عملية، تقول في ذلك، “بعد أن تخرجنا من الجامعة ودخلنا الحياة العملية، كان كل عملنا يتم بفضل جهود وقراءات وخبرات اكتسبناها بشكل ذاتي خارج الإطار النظري الذي درسناه في الجامعة”.

تابعت انصاف دراستها وحصلت على دبلوم في الإرشاد النفسي عام 1995، ثم توظفت في القطاع العام لنحو ثلاث سنوات، ثم عملت لاحقاً في جمعية تعنى بذوي الاحتياجات الخاصة.

تزوجت انصاف من شاب مسلم سني من محافظة دير الزور، فلاقت رفضاً على مستوى العائلة والمجتمع المحيط، لكنها كانت ترى في زوجها الإنسان وشريك الحياة الذي ترغب به خارج أي اعتبارات طائفية، وفي نفس الوقت حاولت أن تقنع أهلها لكيلا تخسرهم، فلجأت الى أخيها المحامي الذي كان مثقفاً ومنفتحاً، فساعدها كي يتم الأمر بحد أدنى من المشاكل أو الارتدادات على الزواج، والذي قد تصل نتائجه في بعض الأحيان الى حد القتل مثلما حدث لصديقة زوجها الدرزية التي تزوجت من شاب فلسطيني فتعرضت لمشاكل كبيرة انتهت بقتلها من قبل أخيها.

تقول انصاف، “تعرفت على زوجي من خلال بعض الأصدقاء المشتركين في الجامعة، كان شاباً مثقفاً وخريج كلية الفلسفة، كان عليّ الاختيار بين حياة أرغب بخوضها وفق كامل إرادتي وطموحي، وأخرى أعيشها كما رسمها الآخرون لي، فقررت المضي قدماً وفق قناعاتي رغم الصعوبات والثمن الذي دفعته لاحقاً من حرمان للعلاقة الطبيعية مع أهلي، وحرمان أولادي أيضاً من العلاقة مع عائلتهم الكبيرة والأقارب”.

لم تلقى انصاف جفاءً من قبل عائلة زوجها، بل احتفلوا بها وقابلوها بالترحاب عند زيارتها الأولى الى دير الزور بعد أن تم الزواج في دمشق. تقول، “لم أجد اختلافاً كبيراً بين المجتمع في دير الزور ومجتمعنا في السويداء، رغم أن الأخير يعتبر أكثر انفتاحاً وخاصة على مستوى التعامل بين النساء والرجال بشكل طبيعي ودون تحفظ، لكن الدائرة الاجتماعية المحيطة بزوجي كانت تشبه بيئتنا في السويداء، كانوا أناساً مثقفين ومنفتحين على الآخرين، واستطعت تكوين صداقات وعلاقات طيبة معهم”.

في عام 2002 عملت انصاف مرشدة نفسية في مدرسة ثانوية صناعية بمدينة دمشق، واستمرت في عملها لبضع سنوات، ثم انتقلت الى مدرسة ابتدائية برغبة منها لتبقى الى جانب ابنها الذي كان في الصف الأول الابتدائي ويعاني من ظرف صحي، ومارست هذا العمل حتى عام 2011.


سُجلت هذه المقابلة
في تركيا



أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: