اردا كاشكشيان

"هرب جدي من قريته الأرمنية الى مدينة حلب، واختبأ في منزل شيخ حلبي لفترة طويلة ثم عمل عنده".

رغم إقامتها في لبنان وحصولها على جنسيته، بقي في قلبها خصوصية لمدينة حلب التي ظلت تزورها باستمرار ولفترات طويلة أحياناً. درست اردا كشكشيان مرحلة رياض الأطفال في مدرسة فرنسية للراهبات كان طلابها من العائلات الحلبية المرموقة ومن مختلف الأعراق والأديان، وكانت المواد ٌتدرّس باللغة الفرنسية مع وجود مادة للغة العربية.

شمل تأميم المدارس الخاصة في ستينات القرن الماضي، مدارس الإرساليات الأجنبية ومن ضمنها مدرسة اردا، وصارت تدار من قبل مديرية التربية في دمشق وبحسب منهاج الدولة الذي يعتمد التدريس باللغة العربية، انتقلت اردا في تلك الفترة برفقة والدتها وإخوتها للعيش في لبنان في حين بقي والدها في مدينة حلب.

تحكي اردا قصة لجوء جدها الى سوريا هرباً من أعمال العنف التي تعرض لها الأرمن من قبل السلطات العثمانية مطلع القرن الماضي، “هرب جدي من قريته متجهاً الى مدينة حلب، وبما أن حلب كانت تتبع للسلطنة العثمانية آنذاك، تمت ملاحقة الأرمن فيها أيضاً، فاختبأ جدي في منزل شيخ حلبي لفترة طويلة ثم عمل عنده”.

وتتابع القول، “عمل جدي في مهن عدة وعانى كثيراً حتى استطاع أن يقف على قدميه ويؤمّن حياة كريمة له ولعائلته، افتتح لاحقاً فندقاً صغيراً في المدينة، وكان أبي في صغره يساعده ويذهب الى محطة القطار محاولاً إحضار الزبائن للفندق”.

عمل والد اردا في شبابه بقسم الاستقبال في فندق معروف بمدينة حلب، ثم أصبح مديراً له وبقي في هذا العمل طوال حياته، الى جانب امتلاكه معرضاً لبيع السجاد والتحف القديمة في منطقة باب الفرج وذلك في خمسينات القرن الماضي.

تقول اردا، “كان محل أبي في باب الفرج مكاناً ساحراً بالنسبة لي، وكانت له أهمية خاصة كونه منزل القنصل الفرنسي السابق في زمن الانتداب، كان لوالدي علاقات جيدة مع السياح الأجانب الذين يتعرف عليهم في مكان عمله سواء في المعرض أوالفندق”.

وتتابع القول، “كنت أزور مدينة حلب باستمرار، وأنزل في الفندق وأرافق أبي في الرحلات مع السياح الأجانب الى الأماكن الأثرية في سوريا مثل قلعة الحصن ومدينة تدمر وغيرها”.

اندمج المهاجرون الأرمن في المجتمع الحلبي وباتوا يشكلون جزءاً أصيلاً من السكان، واشتهروا بإتقان الأعمال الصناعية والحرفية، تقول اردا إن الأرمن أدخلوا بعض المهن الجديدة كالتصوير الضوئي، وتميزوا بمهن أخرى كصياغة الذهب وميكانيك السيارات والخياطة وغيرها.

تصف اردا النسيج السكاني لمدينة حلب بالقول، “كان المجتمع الحلبي يضم نسيجاً متنوعاً من أديان وطوائف وأعراق عدة، وكان الجميع يعيشون بانسجام وألفة فيما بينهم، لم أشعر يوماً بالاختلاف عن سكان المدينة الأصليين، بل كنت أحس أني جزء من هذا النسيج الجميل”.

جاءت عائلة والدة اردا الى حلب منذ مئات السنين، أي قبل موجات الهجرة بسبب اضطهاد العثمانيين، لذلك كانوا يتكلمون اللغة العربية بطلاقة وكانت أمها تحفظ الأمثال الشعبية القديمة وتمارس العادات والتقاليد الحلبية.

تقول اردا، “في شهر حزيران أول فصل الصيف، كان الناس يرشون بعضهم بالماء بأجواء من الضحك والمرح، كان ذلك التقليد مقتبساً من عيد قدّيس أرمني ولكنه بات متداولاً بين الحلبيين بسبب تداخل العادات والتقاليد بين مختلف مكونات المجتمع”.

وتتابع القول، “كانت حلب مدينة حيّة لا تنام، حتى الزيارات بين العائلات والأصدقاء كانت تتم غالباً في الليل، كنا نذهب الى الحديقة العامة التي تسمى المشتل، كان مكاناً جميلاً ومميزاً، وكنا نذهب الى حي السبيل أو العزيزية حيث تنتشر المقاهي والمطاعم لنقضي أوقاتاً جميلة برفقة الأصدقاء”.


سُجلت هذه المقابلة
في بيروت



أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: