إحسان حمادة

الخدمة في الجيش لمدة 24 عاماً.

نشأ إحسان حمادة في أسرة فقيرة تقطن مدينة حلب، ودرس المرحلة الإعدادية ثم تطوّع في الجيش عام 1967 ليستطيع إعانة عائلته مادياً، ولتفادي طول فترة الدراسة ومصاريفها.

تم تعيين إحسان في القوى الجوية كفنّي الكترون، وخضع خلال فترة عمله لتدريبات عسكرية وفنية اختصاصية، وصار مسؤولاً عن أجهزة الإشارة واللاسلكي ما بين القطعة العسكرية والدفاع الجوي والقيادة لتأمين الاتصالات وأعمال الصيانة.

يقول إحسان، “عند بداية عملي في الجيش كان ثمة حرية دينية واحترام لجميع الطوائف والأديان، وكان في كل ثكنة عسكرية غرفة مخصصة للصلاة، ومع بداية عام 1970 بدأ التضييق فيما يخص الشعائر الدينية”.

ويتابع القول، “في قطعتنا العسكرية كان هناك تنوع طائفي من حيث عدد الضباط، بينما كانت الأغلبية للعلويين في بعض القطاعات الأخرى مثل سرايا الدفاع التي رأسها رفعت الأسد، كانوا يقولون أن هدفها هو حماية الثورة، بينما الحقيقة أن الجيش كان طائفياً ويهدف لحماية الرئيس حافظ الأسد”.

مرّ إحسان خلال خدمته في الجيش بمحطات مهمة ومفصلية ومنها حرب عام 1967 التي سلّم فيها حافظ الأسد الجولان حين كان وزيراً للدفاع، حيث أمر الجيش بالانسحاب الكيفي وأعلن سقوط القنيطرة في حين كان الجيش الإسرائيلي يبعد أكثر من 5 كم عن المحافظة كما يقول إحسان.

وعايش إحسان حرب تشرين عام 1973 التي بدأ حافظ الأسد بالتحضير لها مسبقاً، فقام بتوسيع الجيش أفقياً من حيث عدد الجنود وعمودياً من حيث زيادة التسليح بالتعاون مع الاتحاد السوفييتي، يقول في ذلك، “تأثر عدد كبير من الشباب بشعارات استعادة الجولان وتحرير فلسطين، والتي تبين لاحقاً أنها مجرد أوهام، فما تم استرجاعه هو جزء صغير من المحافظة، وأما مدينة القنيطرة فأعادها الأسد أرضاً بغير شعب، وجعل منها منصة للتسول من الملوك وأمراء الخليج للقيام بتعبئة خزائنه من أموال المعونات الممنوحة لإعادة إعمار المدينة المهدمة”.

ويتاابع القول، “للأسف لم تكن حرب تشرين تحريرية، بل كانت تحريكية فقط خرج الجيش منها مدمراً ووصل التهديد الاسرائيلي خلالها لغاية منطقة سعسع التي تبعد نحو 30 كم عن دمشق، ولولا تدخل الجيش العراقي في صد الهجمة الاسرائيلية لكانت دمشق مهددة بالسقوط”.

كان لحزب البعث وجود في كافة مفاصل الدولة ومنها الجيش، وكان الضابط الأعلى رتبة في الكتيبة أو القطعة العسكرية يدير أمور أعضاء الحزب فيها سواء كانوا أنصار أم أعضاء عاملين في الحزب، وكان يمنع منعاً باتاً الانتساب لأي حزب غير حزب البعث وخاصة للضباط، حتى لو كان ذاك الحزب ضمن ما يسمى “الجبهة الوطنية التقدمية”.

بعد مواجهات الجيش السوري مع الجيش الإسرائيلي في لبنان عام 1982، بدأت النزعة الطائفية تظهر بشكل علني ضمن صفوف الجيش، وصارت المعسكرات والثكنات العسكرية مقسمة ما بين خيام السنة والعلويين، يقول إحسان، “كل شخص من حلب أو حماه أو إدلب كان يصنف سنياً بالضرورة حتى لو كان مسيحياً، وبالمقابل فكل من جاء من الساحل يعتبر علوياً، ظهر إحجام كبير من طوائف السنة والدروز والمسيحيين بعد حرب 1982 عن التطوع في الجيش، فارتفعت نسبة العلويين الذين كانوا يشكلون النصف على صعيد صف الضباط، وحوالي 85 في المئة من عدد الضباط، جاء هذا الإحجام نتيجة لانخفاض الرواتب في الجيش في ظل انعدام أي نوع من الحوافز المالية”.

انتشرت الرشوة والفساد بعد حرب 1982 وأصبحت ظاهرة علنية بعد أن كانت تتم بالخفاء، وازدادت بشكل فج وفاحش بعد عام 1990 وخاصة فيما يخص منح إجازات للعناصر وصف الضباط  أو ما يسمى “التفييش”، وهو منح الضابط المسؤول راتب شهري مقابل بقاء العنصر في منزله أثناء فترة خدمته الإلزامية، وعلى هذا النحو، بدأ كبار الضباط يضخمون ثرواتهم من خلال الفساد ولم يعد الأمر مقتصراً على تحسين دخلهم فقط.

تدهورت حالة إحسان المادية ولم يعد قادراً على تأمين متطلبات أولاده الستة، فاضطر للعمل بالتهريب كما يقول، حتى ألقي القبض عليه من قبل الجمارك وحول للمحكمة العسكرية.

حكم على إحسان بالسجن لمدة عامين، قضى بعضاً منها في سجن تدمر ثم في سجن صيدنايا- القسم العسكري، وأفرج عنه بعد مضي سنة ونصف من محكوميته، ثم صدر بحقه مرسوم من وزير الدفاع مصطفى طلاس يقضي بطرده من الجيش وتجريده من كافة حقوقه المدنية والعسكرية، وعلى هذا النحو، لم يتلقى أي تقاعد أو تعويضات مادية عن خدمته في الجيش على مدى 24 عاماً، فاضطر للعمل في ورشة لتصنيع الثريات، ثم اضطر أخيراً للعمل كبائع بسطة على أحد الأرصفة، تزاحمه شرطة البلديات في رزقه وتطلب منه الرشاوى بشكل مباشر.


سُجلت هذه المقابلة
في تركيا

المواضيع ذات الصلة بهذه القصة:


أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: