أيمن أبو هاشم

الحياة والمجتمع في المخيمات الفلسطينية

 

ولد أيمن أبو هاشم عام 1969 في مخيم حندرات للاجئين الفلسطينيين شمال مدينة حلب، والذي تم إنشاؤه أوائل ستينات القرن الماضي، وكان يدعى سابقاً مخيم عين التل.

يتميز المخيم بموقعه المتميز على سفح هضبة جبلية مطلة على نهر قويق، وتحيط به مجموعة من القرى السورية منها قرية حريتان وباشكوي وحندرات التي سمي نسبة لها.

كان في المخيم مدرستين فقط واحدة للذكور وأخرى للإناث، وتتبعان لوكالة الأونروا، يقول أيمن، “كان للمعلمين الفلسطينيين سواء من داخل المخيم أو القادمين من مدينة حلب دوراً كبيراً في تربية الطلاب على الذاكرة والهوية الفلسطينية، والتذكير الدائم بانتمائهم لفلسطين، وزرع حب الأرض وحق العودة في نفوسهم، كما كان ثمة نخب فلسطينية حريصة على نشر الثقافة والكتب والنقاشات بين الشباب، وكان للفصائل دوراً أيضاً في هذا المجال”.

عمل أغلب أهالي المخيم في مدينة حلب إما في القطاع الحكومي أو القطاع الخاص في المعامل وورش البناء والمحال التجارية وما الى ذلك، وكان ثمة قلة من العاملين في منظمة الأونروا داخل المخيم، ولكن في المرحلة التالية وتحديداً مع بداية الثمانينات، عملت النسبة الأكبر من أبناء المخيم في قطاع التعليم بعد ظهور جيل فيه نسبة كبيرة من المتعلمين.

يقول أيمن، “منذ العام 1956 أثناء فترة حكم الرئيس شكري القوتلي، صدر القانون رقم 260 الخاص بمنح الفلسطينيين نفس حقوق المواطنين السوريين، ما كفل لهم حقوق التوظيف والعمل والتملك وغيرها، فانخرط الفلسطينيون في جميع المجالات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، مع وجود استثناء منعهم من الترشح للمناصب السيادية في البلاد”.

أكمل أيمن دراسته الثانوية في مدينة حلب، وكانت تلك أول تجربة حقيقية له في الاحتكاك بالمجتمع السوري، يقول، “كانت كل علاقاتنا بالسوريين المقيمين في المناطق المجاورة للمخيم مقتصرة على علاقات الجوار العادية والزيارات المحدودة خلال بعض المناسبات، أي أنها كانت عن طريق الأهالي وليست نتيجة تواصل مباشر بين الشباب السوريين والفلسطينيين، وحين درست في حلب المدينة اختلطتُ بفئة أوسع من السوريين من أبناء حلب وريفها الواسع، فضلاً عن أبناء حزام العشائر التي سكنت في محيط حلب بعد أحداث عام 1982”.

في عام 1981 انضم أيمن الى صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، مثل جميع الشباب واليافعين الذين انتسبوا  الى إحدى الفصائل الفلسطينية كتعبير عن وجودهم وموقفهم السياسي، ثم انتقل الى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة، لوجود مجموعة من أصدقائه وأقاربه ضمن صفوفها، ورغبة منه بتلقي التدريبات العسكرية، حيث كان للجبهة معسكرات تدريب داخل سوريا.

كان للقيادة العامة مقراً في منطقة الجابرية بمدينة حلب، ويذكر أحمد أن كثيراً من الشباب السوريين كانوا يترددون على المكتب للتطوع في العمل الفدائي الفلسطيني، إما هرباً من ظروف اجتماعية صعبة ومشاكل أسرية، أو لاقتناعهم بالقضية الفلسطينية وواجب الدفاع عنها.

رغب أيمن بدراسة الصحافة ولكنه لم يستطع تحقيق ذلك بسبب وجود الكلية في مدينة دمشق، الأمر الذي يتطلب مصاريف كبيرة ولا يتوفر في ظل الحالة المادية المتواضعة لأسرته، ولذلك التحق بكلية الحقوق في جامعة حلب عام 1987، يقول، “انخرطتُ بشكل كبير في العمل الطلابي وكنت ضمن الهيئة الإدارية لاتحاد الطلاب الفلسطيني الذي شهد نشاطاً لافتاً خلال فترة السبعينات وحتى أوائل الثمانينات، كانت طبيعة دراسة الحقوق نظرية ولا تتطلب الالتزام بالدوام، ما سهّل لي التنقل بين فروع الجامعة لاجتذاب الطلاب الى التنظيم أو العمل ضمن أنشطة الاتحاد، وما سمح لي أيضاً بالتعرف على أطياف واسعة من الطلاب من جميع المناطق السورية والذين كانوا يعتبروننا جزءاً من سكان البلد وغير غريبين عنه، وهي نظرة تعبر عن تعاطف السوريين وتضامنهم معنا وشعورهم بواجبهم تجاه القضية الفلسطينية”.

بعد تخرجه من الجامعة عام 1991، انتقل أيمن الى دمشق لمتابعة الدراسات العليا، حيث لم يعد يفضل العيش في مدينة حلب بعد التغيرات التي شهدتها في نواح عدة كما يقول، “بات الطابع العام للفصائل الفلسطينية في حلب يتسم بالتناحر والتعصب الإيديولوجي والفصائلي، كما اتجهت المدينة نحو المظاهر الاستهلاكية مع ضعف في المظاهر الثقافية، كثير من المكتبات تحولت الى محلات تجارية وتوجه كل الاهتمام الى مجال الأعمال والتجارة حتى في الريف وفي المخيم، وتزامن كل ذلك مع تنامي حالة من المحافظة الاجتماعية على الصعيد الديني، ما أشعرني بالضيق والرغبة بالانتقال الى دمشق الأكثر انفتاحاً”.

سكن أيمن في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين جنوب مدينة دمشق، ولاحظ الفروق بينه وبين باقي المخيمات الفلسطينية في حلب، يقول، “يتميز مخيم اليرموك بخصوصية ومكانة مختلفة عن مخيمي حندرات والنيرب في حلب، والذين يبعدان عن مركز المدينة، كما يتسمان بنشاط محدود على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي بحكم وجودهم ضمن مناطق محصورة برقعة جغرافية صغيرة، أما مخيم اليرموك فهو أقرب الى مدينة ذات طابع خاص تتجاوز مفهوم المخيم، حيث كان يقطنه أكثر من 150 ألف نسمة من الفلسطينيين بالإضافة الى سوريين من مناطق عدة”.

شكل مخيم اليرموك مركزاً للفلسطينيين في عموم سوريا على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، ورغم أنه شكل مركز ثقل للفصائل الفلسطينية أيضاً، فإن حدة التعصب ما بين تلك الفصائل كانت أقل نسبة الى مخيمات الأخرى، “كل الفصائل الفلسطينية وأغلب كوادرها كانت في مخيم اليرموك، والطبقة المثقفة المبدعة في شتى المجالات هي من مخيم اليرموك، والهوية الفلسطينية حاضرة ومجسدة بشكل أكبر في مخيم اليرموك، شهد المخيم حراكاً سياسياً وثقافيا ً تجازو كل الحراك الموجود على مستوى سوريا في تلك الفترة، مع وجود المراكز الثقافية والفعاليات المتنوعة، ومن ناحية أخرى، أنتجت الكثافة السكانية والحالة العشوائية لبعض أحياء المخيم والمناطق المحيطة به واقعاً اجتماعياً عانى من اضطرابات انعكست سلباً على أبنائه، وقد عايشتُ ذاك الواقع عن قرب وخصوصاً بعد أن عملتُ في مهنة المحاماة، ومن تلك المشاكل، ظاهرة المشاجرات التي كانت تتطور في بعض الأحيان الى وقوع جرائم جنائية، نتيجة البطالة والفقر المنتشر في العشوائيات”.


سُجلت هذه المقابلة
في تركيا



أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: