أكرم الخطيب

"بقيَ سعر القمح ثابتاً لعشر سنوات تقريباً حتى عام 2008، وبالمقابل تضاعفت خلال تلك الفترة تكاليف مستلزمات الإنتاج كالمحروقات والأسمدة".

ولد أكرم الخطيب عام 1969 في مدينة الرقة، ودرس في مدارسها ثم انتقل الى حلب للدراسة في المعهد المتوسط الهندسي. يقول أكرم، “بعد أن تخرجت من المعهد عام 1990 لم أرغب بالعمل في القطاع الحكومي بسبب ضعف رواتب الموظفين، ولإمكانية الاستثمار الزراعي في الرقة سواء لمالكي الأراضي أو لغيرهم، وعلى هذا النحو، كلفني والدي بمتابعة أعماله في مجال الزراعة البعلية”.

من أهم المحاصيل التي كانت تزرع في محافظة الرقة، سواء المروية أو البعلية، المحاصيل الاستراتيجية التي تدخل ضمن سياسة الدولة الزراعية، وهي القمح والقطن والذرة الصفراء والشوندر السكري.

يقول أكرم، “أنشأت الدولة عدة صوامع حبوب في عدة مراكز في الريف لاستقطاب تلك المحاصيل، فضلاً عن مركزين ضخمين لتسويق القطن، ومع دخول الألفية الثالثة كان ثمة توجه أيضاً لزراعة الزيتون بسبب وجود أراض كثيرة مستبعدة من الري وتحاذي المشاريع المروية، حيث إن الزيتون لا يحتاج الى كميات مياه كبيرة لزراعته، كما يمكن سحب المياه عن طريق مضخات بسيطة من قنوات الري المحاذية”.

يقول أكرم إن الزراعة البعلية تحتاج الى جهد وعمل في فترتين أثناء العام الواحد، في موسم البذار في الشهر العاشر، وفي موسم الحصاد الذي يبدأ في منتصف الشهر الخامس تقريباً. “يمكن تشبيه الزراعة البعلية بالمقامرة كونها تعتمد على مواسم الأمطار وفيها متعة كبيرة، ومن يدخل في مجالها لا يستطيع الابتعاد عنه بسهولة حتى إذا خسر”.

استثمر أكرم في أراض كثيرة، غرباً حول بحيرة الطبقة وشمالاً باتجاه ناحية عين عيسى وشرقاُ حول منطقة المعيزيلة، وجميعها أراض برية خالية من التجمعات السكانية الكبيرة، يقول، “بعد انتهاء موسم البذار ننتظر هطول المطر، فإذا كانت الأمطار غزيرة ينتعش الموسم الزراعي، وإذا كانت شحيحة يمكن أن يكون الحصاد بسيطاً ويعوض الخسارة بشكل مقبول، أما في حال انعدام موسم المطر، يكون هناك خسارة تامة في المحصول والبذار”.

ويتابع القول، “يمكن تشبيه المواسم الماطرة بالأعياد، حيث ترى وجوه الناس مبتسمة وفرحة، فعندما تنجح مواسم الزراعة البعلية تدر أرباحاً كبيرة، فهي ليست بحاجة لاستخدام الأسمدة الكيماوية ولا لتكاليف الري وضخ المياه الى الأراضي، وحتى الزرع الفاشل في المواسم الجافة يمكن بيعه لأصحاب المواشي”.

عمل أكرم أيضاً في تجارة المواشي نظراً لامتلاكه الأراضي اللازمة لرعي الماشية وتسمينها ثم إعادة بيعها بعد بضعة أشهر، وفي العام 1995 بدأ بتجارة الحبوب الى جانب عمله في الزراعة بعد أن توسعت علاقاته بالتجار وخبرته في مجال الزراعة والمحاصيل.

يقول أكرم، “كنا نعمل نحو 45 يوماً في مواسم حصاد القمح والشعير سواء البعلية أو المروية، ونشتري المحاصيل من المزارعين الذين يرهبون التعامل مع موظفي الدولة والمراكز الحكومية التي لا تدفع عادة بشكل مباشر، ويفضلون بيع محاصيلهم الى أحد التجار الموثوقين”.

كان التجار يشترون المحاصيل من الفلاحين بفارق بسيط أقل من سعر الكيلوجرام الواحد، ويكون هامش ربحهم من خلال إعادة بيع كميات كبيرة من المحصول تقدر بعشرات الأطنان الى الدولة.

يقول أكرم إن سياسة الدولة كانت خاطئة بالتعامل مع الفلاحين، حيث لا تزيد من سعر الكيلوجرام الواحد للقمح بما يتناسب مع ارتفاع أسعار المواد الأخرى، “بقي سعر القمح ثابتاً لعشر سنوات تقريباً حتى عام 2008، وبالمقابل تضاعفت خلال تلك الفترة تكاليف مستلزمات الانتاج، ومنها المحروقات التي تلزم لضح المياه، فضلاً عن البذور والأسمدة والأكياس وغيرها، ومع ذلك كان الفلاحون يزرعون أراضيهم رغم هامش الربح القليل جداً، ما شكل ضغوطات كبيرة عليهم، فبدأوا بالاقتراض من المصارف والجمعيات الزراعية”.

يرى أكرم أن محافظة الرقة كانت مهمشة من قبل الدولة ويمكن تشبيهها بالبقرة الحلوب التي تدر الحليب دون أن تستفيد منه، حيث لم تبدأ بعض الخدمات الحكومية الحقيقية بالظهور في مدينة الرقة الى ما بعد عام 2007 تقريباً، مثل تجهيز الطرقات والحدائق والمرافق وما الى ذلك، “لو كانت سياسة الاقتصاد الزراعي ناجحة ومواكبة للمشاريع الزراعية التي تم إنشاؤها في المحافظة، يمكننا القول وبدون مبالغة أن إنتاج الرقة الزراعي يمكنه أن يشكل اقتصاد دولة في ظل توفر آلاف الهكتارات الزراعية المروية، وللأسف حتى الثروة الحيوانية ذات المردود الهائل لم تلقى اهتماماً كافياً من قبل الدولة التي كانت توزع الأعلاف بطريقة مقننة جداً مما يدفع مالكي المواشي لشرائها من السوق السوداء وانتشار بيع الأغنام بطرق التهريب الى تركيا ودول الخليج، في ظل انتشار الفساد والمحسوبيات في المؤسسة العامة للأعلاف”.

يذكر أكرم أن بيع المحاصيل الاستراتيجية لغير الجهات الحكومية ممنوع على الفلاحين، كما يُمنع نقل تلك المحاصيل من محافظة الى أخرى، وحتى التجار الذين يشترونها من الفلاحين يجب عليهم بيعها الى الدولة حصراً. يقول، “ظهرت في السنوات الأخيرة ما قبل 2011 بعض المطاحن الخاصة التي تشتري القمح من المزارعين، وكانت تمنع أيضاً من نقل المحاصيل الى محافظة أخرى، ولكن الفساد كان مستشرياً في جميع الدوائر الحكومية المختصة بالمجال الزراعي”.

في العام 1998 توقف أكرم عن العمل في الزراعة وتجارة الحبوب، وتحول الى العمل في المقاولات، يقول في ذلك، “حققتُ أرباحاً وفيرة من الزراعة خلال مواسم عامي 1997 و 1998، وهو ما دعاني الى التوسع في مجال آخر داخل مدينة الرقة، فاشتريت مستودعات وعملت بالتجارة في مجالات عدة، ثم عملت في المقاولات والتعهدات حتى العام 2010 بحكم معرفتي السابقة ودراستي في المعهد الهندسي”.


سُجلت هذه المقابلة
في تركيا

المواضيع ذات الصلة بهذه القصة:


أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: