أحمد عيشة

"بقدر ما يُقدّم الصناعيون الأتاوات والخدمات، تتم مكافئتهم بالتسهيلات، بما في ذلك الإعفاء من الضرائب".

نشأ أحمد عيشة قرية تابعة لمنطقة إعزاز في ريف حلب، وانتقل في بداية ثمانينات القرن الماضي الى مدينة حلب لمتابعة دراسته الإعدادية والثانوية، حيث عايش في تلك الفترة، الأوضاع الأمنية المتوترة التي شهدتها المدينة.

يقول أحمد، “شهدت حلب عام 1980 حملة تفتيش ونصب حواجز غير مسبوقة، وربما تم لأول مرة في التاريخ تطويق مدينة كبرى مثل حلب لمدة ثلاثين يوماً وتفتيش كل بيوتها”.

ويتابع القول، “حتى الامتحانات المدرسية تمت حينها بطريقة غريبة، إذ كان وجود المراقبين شكلياً، في حين سيطر أفراد من الجيش على القاعات الامتحانية، وكان لديهم الصلاحية بجلب الكتب وتلقين من يرغبون بالأجوبة دون أن يجرؤ أي من المراقبين على الاعتراض”.

درس أحمد في كلية الهندسة الزراعية لمدة فصل دراسي واحد، ثم تركها بسبب المضايقات الأمنية والتفتيش والحواجز المنتشرة في مداخل المباني الجامعية، وفي العام التالي، أعاد أحمد تقديم امتحان الثانوية العامة، ثم درس في كلية الهندسة الكهربائية لمدة عامين، قبل أن  يتم اعتقاله من العام 1983 وحتى العام 1991.

يقول أحمد، “بعد خروجنا من السجن، صدر مرسوم رئاسي يسمح لنا بمعاودة الدراسة في الجامعة ولكن دون احتساب السنوات الدراسية السابقة، فالتحقتُ بالجامعة من جديد وتخرّجتُ عام 1997 بتقدير جيد، ثم توظفتُ في شركة كهرباء حلب”.

تنقّل أحمد في أقسام شركة الكهرباء ما بين صيانة خطوط ومحطات الكهرباء وصيانة وبرمجة العدادات، يقول في ذلك، “كانت محافظة حلب تستهلك ربع الطاقة الكهربائية على مستوى القطر، وتبين لي من خلال عملي كيف كانت السلطة تحتكر كل موارد البلد في يد جهة واحدة ثم توزعها على شبكات معينة بحسب الولاءات، وبمعنى آخر، كيف تخلق زبانية وموالين لها من خلال سياسة توزيع الموارد والامتيازات، كمنح التراخيص والسماح باستيراد المواد الأولية والإعفاء من الضرائب وغيرها، وكل هذا في سبيل خلق طبقة برجوازية فاسدة تلبي حاجات السلطة الفاسدة وخصوصاً عند الضرورة”.

يرى أحمد أن طبقة الصناعيين الكبار، أو ما يسميها البرجوازية الجديدة، والتي تم استحداثها من قبل السلطة بداية التسعينات، مرتبطة بالدرجة الأولى مع ضباط أمنيين أو ضباط كبار في الجيش، وبقدر ما يقدم الصناعيون الأتاوات والخدمات، يتم مكافئتهم بالتسهيلات، بما في ذلك الإعفاء من الضرائب.

يشرح أحمد آلية ضبط المخالفات التي تخص استهلاك الكهرباء، حيث يتم تشكيل لجان، تكون كل منها مسؤولة عن قطاع ما، ابتداءً من القطاعات المنزلية ووصولاً الى القطاعات الصناعية الضخمة، وفي 90 بالمئة من الحالات، تكون اللجنة متعاونة مع الصناعيين، حيث يتم إخبار المالك سلفاً بقدومها الى المنشأة حتى يأخذ الاحتياطات اللازمة، وطبعا يتم ذلك في مقابل تقديم رشاوى كبيرة الى أعضاء اللجنة، نظراً لارتفاع فواتير الكهرباء والمخالفات والتي تصل الى ملايين الليرات السورية، ونتيجة لكل ذلك وصل منسوب هدر الطاقة الكهربائية الى أكثر من 40 في المئة في البلاد.

يقول أحمد، “في إحدى المطاحن في ريف حلب، والتي كانت تعمل 24 ساعة في اليوم، كانت فاتورة الكهرباء الشهرية تبلغ نحو 100 ألف ليرة سورية، وهو رقم قليل وغير منطقي، ما دعاني الى تحليل بيانات الفواتير، والقيام بزيارات فجائية الى المكان، حتى اكتشفت أخيراً الطريقة التي تمت بها سرقة الكهرباء، فأوعزتُ للدورية المرافقة لي بقطع الكهرباء عن المطحنة”.

ويتابع القول، “خلال دقيقتين فقط، حضر صاحب المطحنة برفقة بعض الرجال مفتولي العضلات وهددني بالقتل وأجبرني على توقيع إقرار بأني سببت له ضرراً نتيجة قطع التيار، فعدت الى حلب وقدمت المعطيات الى مجلس الإدارة وسجلت ضبطاً بمبلغ 13 مليون ليرة، ولكني تفاجأتُ بعد فترة أن مبلغ الفاتورة تحول الى 75 ألف ليرة مضافاً إليها ضريبة بقيمة  8 آلاف ليرة ضريبة فقط، حينها عرفت أنه من الخطاً أن أعرض حياتي للخطر وأكون ضحية لتلك الشبكة المترابطة في الفساد”.

استدعي أحمد خلال مسيرة عمله عدة مرات الى الأفرع الأمنية نتيجة قيامه بضبط المخالفات للفاسدين، يقول في ذلك، “تم استدعائي لفروع أمنية في حلب ودمشق مرات عدة، نتيجة العلاقات والشراكات التي كانت تربط كثير من أصحاب المنشآت الصناعية بشخصيات هامة في الدولة، وبحجة الإيذاء والإساءة للصناعيين الذين يشكلون دعامة للاقتصاد الوطني”.


سُجلت هذه المقابلة
في تركيا

المواضيع ذات الصلة بهذه القصة:


أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: