أبو رضا الميداني

"بدأت منذ تلك الأيام مظاهر التفرقة على أساس طائفي، وبصريح العبارة صار الدمشقيون غير مرغوب بهم".

نشأ أبو رضا الميداني في حي الميدان الدمشقي الذي يمتد من منطقة باب مصلى وحتى نهاية ساحة الأشمر وصولاً الى طريق القدم وأطراف حي التضامن. كانت منطقة الزفتية والتي سميت لاحقاُ بالزاهرة القديمة تشكل امتداداً للميدان أيضاً، وكانت بيوتها مبنية من اللبن وأشبه بمخيم تقطنه عائلات فقيرة.

يقول أبو رضا إن حي الميدان يشتهر بمحلات الحلويات الدمشقية والمطاعم الشعبية التي تقدم وجبة الفول والفتة فضلاً عن وجبات اللحوم مثل المقادم والنخاعات وغيرها، كما يشتهر الحي بحماماته الدمشقية القديمة.

نشأ أبو رضا في أجواء من المحبة والتآخي سادت بين أبناء الحي وخاصة في المناسبات والأعياد، يقول في ذلك، “في شهر رمضان المبارك يتبادل الجيران أطباق وجبة الإفطار، وتزين الحارات بالفوانيس، ويكثر تناول الحلويات والأكلات الشامية المعروفة كالبرازق والغريبة في السهرات الرمضانية، حين يتبادل الأقرباء والجيران الزيارات”.

ويتابع القول، “وفي أول أيام العيد، نذهب صباحاً لتأدية صلاة العيدة ثم لزيارة قبور أمواتنا في مقبرة باب الصغير والدحداح، وبعد عودتنا نستقبل الزوار المدعوين على وجبة الفطور، ثم يبدأ يومنا بزيارة الأقرباء والمعارف لتبادل المباركات والتهاني بحلول العيد”.

يرى أبو رضا أن الروابط الأسرية كانت أكثر صلابة في السابق، حيث كان لرب الأسرة هيبة كبيرة لدى زوجته وأولاده، ففي الصباح مثلاً، كان جميع أفراد العائلة يجتمعون ولا يبدأون بتناول الفطور إلا في وجود الأب، وكانت الزوجة لاتخرج من منزلها دون إذن زوجها، وإذا خرجت ترتدي الملاية الدمشقية التي تغطي كامل الجسد والرأس مع إسدال المنديل (وهو ستار رقيق يغطي الوجه أيضاً)، أما الرجال فكانوا يلبسون الإمباز الشامي والصدرية وطاقية الرأس البيضاء، فيما يرتدي الوجهاء من التجار وغيرهم البذلة الرسمية مع الصدرية والطربوش على الرأس.

يتابع أبو رضا الحديث عن بعض العادات الدمشقية، “في الزواج والخطبة، يذهب وفد من الرجال والوجهاء مثل مختار الحي والتجار وكبار السن لخطبة الفتاة من أهلها والاتفاق على المهر المحدد وملبوس البدن وهو الكسوة والحاجيات التي تشتريها العروس قبل زواجها  كالملابس والمفارش والأقمشة وأدوات التجميل وما الى ذلك، وعادة ما يسكن الشاب وزوجته في بيت أهله لتتعلم العروس الطبخ والواجبات المنزلية على يد حماتها، كي تستطيع إدارة منزلها بكفاءة في حال انتقلت مع زوجها الى بيت مستقل”.

كان حفل الزواج يقام سابقاً في البيت العربي الذي يتميز بكبر مساحته، ويتخلل العرس إنشاد الأهازيج التراثية واللعب بالسيف والترس من قبل فرقة العراضة الشامية، وتحتفل العروس يوم دخلتها برفقة عصبة من النساء في الحمام الدمشقي ثم تتوجه الى بيت أهلها ومنه الى منزل الزوجية.

وعن العلاقة بين سكان الحي المسلمين والمسيحيين يقول أبو رضا، “ساد التعايش بيننا وبين إخواننا المسيحيين، ففي شهر رمضان المبارك، كان المسيحي لا يدخن أو يأكل في الطريق احتراماً للصائمين وللدين الإسلامي”.

يذكر أبو رضا أن مظاهر الازدحام وزيادة عدد سكان دمشق بدأ منذ أوائل سبعينات القرن الماضي، حيث انتقل الى العاصمة كثير من أبناء الريف والعلويين القادمين من الساحل السوري، في وقت غادر فيه كثير من أبناء الميدان الى مناطق الريف مثل سبينة وجرمانا، حتى صار الحي مختلطاً يضم أبناء الساحل والسويداء وحمص وغيرها، واليوم لا يوجد في الحي سوى نحو 10 منازل لأبنائه الأصليين.

“تغيرت ملامح حي الميدان منذ بداية السبعينات، حين بدأ السماسرة والتجار باقناع أصحاب البيوت ببيعها لإنشاء الأبنية الحديثة بدلاً عنها، لقد تخلينا عن تراثنا بأبخس الأثمان، في حين استفاد من ذلك بعض السماسرة والدخلاء على المنطقة”.

كان أبو رضا يعمل في تجارة وتوزيع المواد الغذائية، وكان يعاني من ضغوط تمارس من قبل الدولة على التجار من ناحية فرض الضرائب والقوانين وما الى ذلك، حتى باتت الأوضاع تنحدر نحو الأسوأ مع مرور الوقت، يقول، “شهدت الفترة مابين عامي 1970 و 2000 تضييقاً كبيراً على التاجر، وكأن الدولة أرادت مشاركته في كل شيء، بدأت منذ تلك الأيام مظاهر التفرقة على أساس طائفي، وبصريح العبارة صار الدمشقيون غير مرغوب بهم، ولم يعودوا يملكون شيئاً من بيوتهم وأراضيهم باستثناء بعض التجار الرأسماليين الذين كسبوا الملايين بطرق غير شرعية”.

ويتابع القول، “كانت والدتي التي تنتسب الى عائلة دمشقية عريقة تملك منزلاً في حي الميدان، ولم تكن بحاجة لذلك البيت فأجّرته عام 1975 لشاب من الساحل السوري كان يعمل في مديرية الأمن الجنائي، مرت السنوات وتزوج الرجل وكبرت عائلته ومازال عالقاً في البيت لا يقبل مغادرته ولا يدفع إيجاره الشهري، حتى صار يهددنا جميعاً بالسطوة الأمنية التي يحظى بها، وفي النهاية ذهبت أمي وتنازلت له قانونياً عن ملكية المنزل خوفاً من المشاكل ومنعاً لأذية أو اعتقال أي أحد منا، لقد بدأ نفوذ ضباط الأمن بالتصاعد من ذلك الوقت، حتى نهبوا خيرات البلاد ولم يتركوا شيئاً”.

تم استخدام اسم مستعار للراوي بناءً على طلبه.


سُجلت هذه المقابلة
في تركيا



أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: